كيف يتسبب الالتهاب العصبي في فقدان الذاكرة؟
رُبط الالتهاب العصبي، وهو تنشيطٌ مُطوّل للجهاز المناعي في الدماغ، نتيجةً لعدوى أو عوامل أخرى، باضطراب الوظائف العقلية الطبيعية.
على سبيل المثال، وجدت دراساتٌ سابقةٌ أن الالتهاب العصبي يلعب دورًا محوريًا في الأمراض التنكسية العصبية، وهي حالاتٌ طبيةٌ تتميز بالتدهور التدريجي لخلايا النخاع الشوكي والدماغ.

السيتوكينات
عند حدوث الالتهاب، تُطلق الخلايا بروتينات تعمل كإشارات بين الخلايا المناعية، تُعرف أيضًا باسم السيتوكينات.
وبينما ربطت بعض الدراسات سيتوكينًا محددًا يُسمى إنترلوكين-1 (IL-1) بتغيرات في وظائف الدماغ، إلا أن الآليات التي قد يُسهم بها في تراجع القدرات العقلية لا تزال غير مفهومة جيدًا.
أجرى باحثون مؤخرًا دراسةً على الفئران تهدف إلى فهم هذه الآليات بشكل أفضل.
ركزت ورقتهم البحثية، المنشورة في مجلة Nature Neuroscience، بشكل خاص على الالتهاب العصبي الذي يسببه طفيلي المقوسة الغوندية (T. gondii)، المسؤول عن مرض معروف يُسمى داء المقوسات.
صرح الدكتور نيكولاس بلانشارد، المؤلف الرئيسي المشارك في الدراسة: "يمكن أن يُحفز الالتهاب العصبي عدوى مثل فيروس كورونا المستجد (SARS-CoV-2) أو طفيلي المقوسة الغوندية، ومن السمات المميزة لهذا الأخير قدرته على البقاء بشكل مزمن داخل الخلايا العصبية للدماغ، مما يُفاقم الالتهاب العصبي المزمن والمشاكل الإدراكية، تنتشر عدوى المقوسة الغوندية على نطاق واسع، حيث يُتوقع أن يكون حوالي ثلث سكان العالم قد تعرضوا لهذا الطفيلي".
وأضاف: "لم يكن هدف هذه الدراسة هو كشف طبيعة الإشارات الالتهابية التي تشارك في ضعف الإدراك الناجم عن التوكسوبلازما (مثل العجز في تعزيز الذاكرة المكانية ) فحسب، بل كان أيضًا استخدام عدوى المقوسة الغوندية كنموذج للكشف عن الآليات الجزيئية العامة التي تربط الالتهاب العصبي بالخلل العصبي".
يستند عمل الفريق الأخير إلى نتائج سابقة توصلت إليها إلسا سوبيربيل، المؤلفة الرئيسية المشاركة في البحث.
في بحثها السابق، وجدت الدكتورة سوبيربيل أدلة على أن الذاكرة المكانية، أي القدرة على تذكر السياق الذي شهدنا فيه شيئًا ما أو إيجاد طريقنا إلى مكان محدد، تعتمد على العمليات الدقيقة التي يتحلل من خلالها الحمض النووي في الخلايا العصبية ويصلح نفسه.
"هذه الآلية - والتي تسمى بالآلية فوق الجينية، لأنها تعدل بنية الحمض النووي دون تغيير تسلسله - ضرورية للعمل الأمثل للخلايا العصبية، وخاصة تلك الموجودة في الحُصين، وهي منطقة الدماغ المسؤولة عن الذاكرة المكانية"، كما قال الدكتور سوبيربيل.
وأضاف: "في هذا العمل، حددنا روابط جديدة بين الإشارات العصبية الالتهابية (السيتوكين IL-1)، والتنظيم الجيني والاستجابة لانقطاعات الحمض النووي في الخلايا العصبية، ووظيفة مجموعات الخلايا العصبية التي تضمن تعزيز الذاكرة المكانية."
لاستكشاف مساهمة السيتوكين IL-1 في تعزيز الذكريات المكانية، أجرى بلانشارد وسوبربييل وزملاؤهما سلسلة من التجارب شملت نموذجين مختلفين للفئران. حاكى النموذج الأول الالتهاب المزمن الناتج عن عدوى المقوسة الغوندية، وتم تنفيذه عن طريق حقن الفئران بالطفيلي.
تميّز النموذج الثاني بارتفاع مستويات بلازما IL-1، وهي مستويات موجودة خلال أمراض التهابية مختلفة. ولتحقيق ذلك، قام الفريق بحقن الفئران بسيتوكين IL-1 عبر مضخات صغيرة تناضحية.
"لقد درسنا أهمية السيتوكين IL-1 في الخلايا العصبية من خلال منع قدرة الخلايا العصبية المثيرة (مجموعة من الخلايا العصبية المهمة للذاكرة المكانية في الحُصين) على التعرف على السيتوكين، من خلال إبطال مستقبل IL-1 وراثيًا"، كما أوضح الدكتور بلانشارد.
تم تقييم تعزيز الذاكرة المكانية من خلال قياس أداء الفئران في الاختبارات الإدراكية. وبشكل أكثر تحديدًا، قمنا بتقييم قدرة الفئران على تذكر موقع جسم ما، أو مكان هروب في متاهة.
بشكل عام، أكدت النتائج التي جمعها هذا الفريق البحثي أن الإصابة بطفيلي المقوسة الغوندية تُعطّل الذاكرة المكانية لدى الفئران، وتحديدًا، واجهت الفئران المصابة بالطفيلي صعوبة في تذكر محيطها بالتفصيل، وتحديد مواقع الأشياء التي واجهتها سابقًا، والتنقل في متاهة.
قال الدكتور بلانشارد: "كشفت بياناتنا أن الإصابة بالمقوسة الغوندية تُخلّ بالتوازن العصبي الالتهابي من خلال إشارة التهابية: الإنترلوكين 1".
وأضاف: "ثم أظهرنا أن هذا الجزيء المناعي يُغيّر التنظيم الجيني للخلايا العصبية، مُقدّمين بذلك أول تفسير جزيئي لاضطرابات الذاكرة التي يُسببها هذا الطفيلي الشائع".
بالإضافة إلى تسليط الضوء على العمليات فوق الجينية التي قد يُسبب بها الالتهاب العصبي ضعفًا في الذاكرة المكانية، حدد الباحثون استراتيجيةً محتملةً للوقاية من هذه الضعفات.
وأظهروا في تجاربهم أنه من خلال حجب الاستجابة العصبية لانقطاعات الحمض النووي أو مستقبلات إشارات الالتهاب IL-1، يُمكن الوقاية من ضعف الذاكرة المكانية، حتى مع إصابة الفئران بالتهاب دماغي حاد.
إذا تم التحقق من صحة هذه النتائج لدى البشر، فقد يكون لها آثار مهمة على فهم بعض الأمراض العصبية التنكسية المرتبطة بضعف الذاكرة.
في المستقبل، قد تُسهم هذه النتائج أيضًا في تطوير تدخلات علاجية جديدة مصممة للوقاية من أو الحد من الضعف الإدراكي الناتج عن الالتهاب المزمن .
وأضاف الدكتوران بلانشارد وسوبربييل: "تتجاوز نتائجنا العدوى الطفيلية، فبما أن مستوى الإنترلوكين 1 يرتفع في العديد من الحالات الالتهابية المزمنة، فإن دراستنا تفتح آفاقًا جديدة لعلاج ضعف الذاكرة، بما في ذلك تلك التي تُلاحظ في الاكتئاب والأمراض العصبية التنكسية".
