سر فقدان فعالية دواء شائع لعلاج مرض السكري من النوع الثاني
لطالما كانت أدوية داء السكري من النوع الثاني، مثل السلفونيل يوريا، ركيزةً أساسيةً لعلاج هذا المرض منذ طرحها في الأسواق في أوائل خمسينيات القرن الماضي.
ومع ذلك، ورغم كونها من أكثر الأدوية شيوعًا لهذه الحالة، فليس من المستغرب أن تفقد فعاليتها مع مرور الوقت، وقد لوحظ أنها غالبًا ما تُسبب آثارًا جانبية أكثر من غيرها من أدوية السكري.
وقد تطرقت دراسة جديدة أجراها مركز IDIBELL وجامعة برشلونة ومستشفى جامعة بيلفيتجي ومركز البحوث الطبية الحيوية في مرض السكري والأمراض الأيضية المرتبطة به (CIBERDEM)، ونشرت مؤخراً في مجلة Diabetes, Obesity and Metabolism، إلى هذه المشكلة، مؤكدة أن الأدوية في عائلة السلفونيل يوريا يمكن أن تسبب فقدان هوية الخلايا المنتجة للأنسولين، مما يقلل من قدرتها على إفراز الهرمون وربما تسريع تطور مرض السكري من النوع 2.

مرض السكري
داء السكري حالة مزمنة ناجمة عن ارتفاع غير طبيعي في مستوى سكر الدم ( فرط سكر الدم ).
السكري مرض معقد تتدخل فيه عوامل بيولوجية مختلفة، لكن أهمها الأنسولين وخلايا بيتا البنكرياسية (β): الأنسولين هو الهرمون الذي ينظم مستويات سكر الدم، مما يُسهّل خروج الجلوكوز من مجرى الدم ودخوله إلى الخلايا لتتغذى؛ وخلايا بيتا هي المسؤولة تحديدًا عن إنتاج الأنسولين.
في داء السكري من النوع الثاني، تكمن المشكلة في ظهور مقاومة الأنسولين والتدهور التدريجي لوظيفة خلايا بيتا التي تحاول التكيف معها.
تُجبر مقاومة الأنسجة الطرفية لتأثير الأنسولين خلايا بيتا على إنتاج المزيد من الأنسولين، ومع مرور الوقت، يؤدي هذا الإجهاد المفرط إلى فقدان الكتلة الوظيفية لخلايا بيتا.
بدونها، ينخفض إنتاج الأنسولين وترتفع مستويات السكر في الدم.
تغيرات خلايا بيتا
حتى الآن، كان موت خلايا بيتا يُعتبر السبب الرئيسي لفقدان الكتلة الخلوية الوظيفية لدى مرضى السكري من النوع الثاني، ولكن لوحظ مؤخرًا أن فقدان هوية هذه الخلايا يلعب دورًا مهمًا أيضًا.
كان معروفًا أن هذا يحدث في نماذج الفئران، ولكن الباحثين يؤكدون الآن حدوثه لدى البشر.
"لا تموت خلايا بيتا فحسب، بل تفقد أيضًا هويتها الوظيفية، وعلى الرغم من أنها لا تزال حية، إلا أنها تعود إلى حالة لا تستطيع فيها إنتاج وإفراز الأنسولين بشكل فعال"، كما يوضح الدكتور إدوارد مونتانيا، رئيس مجموعة مرض السكري والتغذية وأمراض الغدد الصماء في IDIBELL.
وأضاف: "يبدو أن السلفونيل يوريا تساهم في فقدان هوية الخلية، مما يؤدي إلى زيادة وتعزيز فقدان وظيفتها".
الوجه المزدوج للسلفونيل يوريا
السلفونيل يوريا هي أدوية قادرة على التفاعل مباشرةً مع خلايا بيتا لتحفيز إفراز الأنسولين.
في البداية، تكون فعالة في خفض مستويات السكر في الدم، لكنها تفقد في النهاية قدرتها على استعادة السيطرة على سكر الدم (وهو ما يُعرف بفشل السلفونيل يوريا الثانوي).
علاوة على ذلك، وكما لاحظ الباحثون، يُسهم التعرّض المستمر لهذه الأدوية في فقدان وظيفة خلايا بيتا، وهذا يُفسر انخفاض فعاليتها تدريجيًا في خفض مستوى السكر في الدم ، مما قد يُسرّع من تطور مرض السكري من النوع الثاني.
لفهم كيفية حدوث ذلك، حلل فريق الدكتور مونتانيا تأثير جليبنكلاميد، وهو أحد مشتقات السلفونيل يوريا، على خلايا بيتا البنكرياسية السليمة المعرضة لمستويات جلوكوز طبيعية.
كانت النتائج واضحة: أظهرت الخلايا المعرضة للدواء انخفاضًا في التعبير عن الجينات الأساسية لوظائفها (بما في ذلك التعبير عن الأنسولين نفسه)، وزيادة في معدل موت الخلايا، وفقدانًا في قدرة إفراز الأنسولين استجابةً للجلوكوز.
وقال الباحثون: "لقد تمكنا من تأكيد أن الجليبنكلاميد له تأثيرات سلبية على خلايا بيتا ويسرع من فقدان الكتلة الوظيفية، وأنه يفعل ذلك بطريقة تعتمد على الوقت، حيث أن المشاركة تكون أكبر كلما طال وقت التعرض".
وأظهر الفريق أن الآلية التي تتسبب بها السلفونيل يوريا في فقدان هوية خلايا بيتا تتم، جزئيا على الأقل، من خلال إحداث ضغوط في الشبكة الإندوبلازمية، وهي بنية خلوية فرعية تشارك في تصنيع وتعديل البروتينات.
وفي نهاية المطاف، توفر هذه النتائج أساسًا لفهم فقدان فعالية السلفونيل يوريا في علاج مرض السكري ومساهمتها المحتملة في تطور المرض، على الرغم من الحاجة إلى المزيد من الدراسات لمعرفة كيف تترجم هذه النتيجة إلى الممارسة السريرية.
من ناحية أخرى، فإن معرفة أن بعض خلايا بيتا في داء السكري من النوع الثاني لا تموت، بل تعود إلى حالة غير وظيفية، يفتح آفاقًا بحثية ذات أهمية سريرية كبيرة: فخلافًا لموت الخلايا، يُعد فقدان الهوية ظاهرة قابلة للعكس، لذا، فإن فهم كيفية حدوثها أمرٌ أساسي لاقتراح علاجات مستقبلية تعكس هذه العملية وتستعيد الهوية الوظيفية للخلايا، مما يوفر حلولًا طويلة الأمد لمرضى السكري.

