رؤى ثاقبة حول العلاجات الجديدة للأمراض التليفية
حقق باحثو كلية الطب بجامعة ييل (YSM) اختراقات رئيسية في فهم كيفية علاج الأمراض الليفية مثل تصلب الجلد ومرض الطعم ضد المضيف.
الأمراض التليفية
الأمراض التليفية هي مجموعة من الحالات - غالبًا ما تكون مناعية ذاتية - تتميز بندوب مفرطة في الأنسجة.
يمكن أن تؤثر هذه الأمراض سلبًا على جودة حياة المرضى، وفي بعض الحالات، قد تُهدد حياتهم - إذ يُسهم التليف في حوالي 45% من جميع الوفيات في الدول المتقدمة.
ومع ذلك، لا توجد علاجات فعالة له.
في دراسة نُشرت في مجلة Blood، طوّر باحثون جسمًا مضادًا وحيد النسيلة يُظهر نتائج واعدة كعلاج جديد للمرضى.
وفي دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications، اكتشف الفريق نفسه مسارًا إشاريًا قد يكون وسيطًا في التليف، وقد يكون هدفًا لعلاجات مستقبلية.
يقول الدكتور ريتشارد فلافيل، الباحث الرئيسي المشارك في الدراسات: "إن علاجات التليف حاجةٌ ملحةٌ للغاية".
ويضيف: "من المرجح أن يُسفر فهم هذه الحالات بشكل أفضل عن أدوية جديدة تُساعد المرضى".
جسم مضاد علاجي جديد يخفف من التليف
ربطت أبحاث سابقة بين زيادة نشاط بروتين يُسمى مستقبل عامل نمو البشرة (EGFR)، والذي يُساعد على التحكم في نمو الخلايا وتكاثرها، وبين الأمراض التليفية.
عادةً، يُساعد هذا البروتين على تعزيز التئام الجروح. ولكن عند فرط نشاطه، يُمكن أن يُسبب فرطًا في النسيج الندبي المُرتبط بالتليف.
في عام 2022، وجد باحثو YSM أن عينات الجلد من المرضى الذين يعانون من تصلب الجلد - وهو مرض مناعي ذاتي نادر يسبب تليف الجلد وأحيانًا الأعضاء الداخلية - كانت تحتوي على مستويات متزايدة من epiregulin، وهو جزيء إشارات يرتبط بمستقبل عامل نمو البشرة (EGFR).
افترضوا أن زيادة الإيبيريجولين قد تُسبب فرط نشاط مستقبل عامل نمو البشرة (EGFR)، مما يؤدي إلى تليف الجلد في تصلب الجلد. لاختبار هذه الفكرة، استخدموا جسمًا مضادًا لاستهداف الإيبيريجولين وتقليله في نماذج حيوانية، ووجدوا أنه يُعاكس التليف.
وبناءً على هذه النتائج، قام الفريق في دراستهم الأخيرة بتطوير جسم مضاد علاجي بشري جديد مضاد للإيبيريجولين، واختبروا قدرته على التخفيف من مرض الطعم ضد المضيف، وهو أحد مضاعفات عمليات زرع الخلايا الجذعية أو نخاع العظم حيث تهاجم الخلايا المناعية للمتبرع الجسم، وفي بعض الحالات، تسبب التليف.
أولاً، قارن الباحثون بيانات تسلسل الحمض النووي الريبوزي للخلية الواحدة من المرضى المصابين بالتصلب الجلدي ومرض الطعم ضد المضيف لتحديد الآليات المشتركة التي تؤدي إلى التليف في كلا المرضين، وأكدوا أن زيادة مستويات الإيبيريجولين كانت مرضًا شائعًا.

يقول الدكتور إيان أوديل، الباحث الرئيسي المشارك في الدراسات: "ما برز حقًا هو أن إشارة الإيبيريجولين، كما رأينا من قبل في تصلب الجلد، كانت بارزة بشكل كبير في المرضى الذين يعانون من مرض الطعم ضد المضيف التليفي".
بعد ذلك، اختبر الفريق جسمهم المضاد لـ EREG في نماذج فئران مُؤنسنة وخزعات جلدية من مرضى، ووجدوا أن تثبيط الإيبيريجولين قلل من المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتليف.
تشير هذه النتائج إلى أن هذا الجسم المضاد العلاجي قد يكون علاجًا جديدًا واعدًا للمرضى الذين يعانون من أنواع مختلفة من حالات التليف.
وفي دراسات مستقبلية، يخطط الباحثون لاختبار العلاج في أمراض تليفية أخرى مثل الذئبة والتهاب الغدد العرقية القيحي.
المسار الكامن وراء التليف
في دراسة حديثة ثانية، سعى الباحثون إلى فهم أعمق لآليات التمييز بين أمراض الجلد الليفية وغير الليفية. قارن الفريق بيانات تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي الخلية من سبعة أمراض جلدية التهابية مختلفة.
ارتبطت بعض الأمراض، مثل التهاب الجلد التأتبي والصدفية، بالاحمرار والتقشر، ولكن ليس بالتليف.
كما حلل الباحثون بيانات مرضى يعانون من أمراض تليفية مثل تصلب الجلد، وداء الطعم ضد المضيف، والذئبة.
وكشفت تحليلاتهم أن الأمراض الليفية كانت مرتبطة بنشاط أكبر لبروتين يسمى STAT1 في الخلايا الليفية، وهو نوع الخلايا الرئيسي الذي يتم تنشيطه بشكل مفرط في الأمراض الليفية.
لفهم كيفية تفاعل بروتين STAT1 مع مسار إشارات مستقبلات عامل نمو البشرة (EGFR) لتحفيز التليف بشكل أفضل، طوّر الباحثون نماذج فئران تفتقر إلى بروتين STAT1.
عندما نشّط الفريق بروتين EGFR، وجدوا أن الفئران التي لا تحتوي على بروتين STAT1 أظهرت تليفًا أقل مقارنةً بنماذج الحيوانات العادية.
"إذا قمنا بتنشيط EGFR عن طريق إحداث إصابة عندما لا يكون هناك STAT1 موجودًا، فلن يتم تنشيط أي من الجينات الليفية"، كما يقول أوديل.
وأجرى الباحثون تجارب أخرى على الخلايا الليفية المزروعة في المختبر والتي أكدت أن STAT1 مطلوب لبدء التليف.
تشمل العلاجات الحالية لأمراض الجلد مثبطات جانوس كيناز (JAK)، التي تستهدف مسار JAK-STAT.
تُظهر الأبحاث السابقة أن تنشيط JAKs يمكن أن يُحفّز نشاط بروتينات STAT مثل STAT1. في حين أن مثبطات JAK تُعالج بنجاح أمراضًا جلدية مثل التهاب الجلد التأتبي والصدفية، إلا أنها أقل فعالية في تخفيف التليف.
تُظهر الدراسة الحالية أن إشارات مستقبلات عامل نمو البشرة (EGFR) قادرة على تنشيط بروتين STAT1 بشكل مستقل عن مثبطات JAK، مما قد يُفسر عدم فعالية مثبطات JAK في علاج الأمراض التليفية.
ويرى الباحثون أن مسار EGFR-STAT1 هذا يُعد هدفًا جديدًا واعدًا للعلاجات المُحتملة.
الأمر المهم هو أن زيادة تنشيط الإبيريجولين في مسار EGFR-STAT1 ليست نشطة دائمًا - فهي لا يتم تنشيطها إلا في ظل ظروف محددة مثل وجود إصابة أو التهاب.
يقول أوديل: "هذه ليست أهدافًا ضرورية لحياتك اليومية، ولا نتوقع آثارًا جانبية كبيرة عند تثبيطها. نتوقع مستوى أمان عالٍ جدًا".
تُسلّط الدراسات الجديدة الضوء على طريقين علاجيين واعدين لعلاج الأمراض الليفية.
ويعرب الباحثون عن تفاؤلهم بأن هذه الدراسات ستُفضي إلى أدوات جديدة تُحسّن جودة حياة المرضى بشكل كبير.

