الأحد 19 يوليو 2026 الموافق 05 صفر 1448
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

كيف يتم تنظيم انقباضات الرحم عن طريق التمدد والضغط أثناء الولادة؟

الإثنين 17/نوفمبر/2025 - 02:52 م
انقباضات الرحم
انقباضات الرحم


كشفت دراسة جديدة عن الكيفية التي بموجبها يتم تنظيم انقباضات الرحم عن طريق التمدد والضغط في أثناء الولادة.

عندما يبدأ المخاض، يجب على الرحم تنسيق انقباضاته الإيقاعية والمنتظمة لولادة الطفل بأمان، وبينما تُعدّ هرمونات مثل البروجسترون والأوكسيتوسين عوامل رئيسية في هذه العملية، لطالما اشتبه العلماء في أن القوى الفيزيائية - في هذه الحالة، التمدد والضغط المصاحبان للحمل والولادة - تلعب دورًا أيضًا.

كشفت الدراسة التي نُشرت في مجلة ساينس، كيف يستشعر الرحم هذه القوى ويستجيب لها على المستوى الجزيئي.

قد تساعد هذه النتائج العلماء على فهم الجذور البيولوجية لحالات مثل توقف المخاض والولادة المبكرة بشكل أفضل ، مما يوجه الجهود المستقبلية لتطوير علاجات تُحسّن رعاية الأم.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة أرديم باتابوتيان: "مع نمو الجنين، يتمدد الرحم بشكل كبير، وتصل هذه القوى الفيزيائية إلى ذروتها أثناء الولادة".

وأضاف: "تشير دراستنا إلى أن الجسم يعتمد على أجهزة استشعار ضغط خاصة لتفسير هذه الإشارات وترجمتها إلى نشاط عضلي منسق".

تقاسم باتابوتيان جائزة نوبل في الطب لعام 2021 لاكتشافه المستشعرات التي تُمكّن الخلايا من استشعار اللمس والضغط.

هذه المستشعرات هي قنوات أيونية متخصصة يُكوّنها بروتينا PIEZO1 وPIEZO2، والتي تُساعد الجسم على استشعار القوة الفيزيائية والاستجابة لها.

انقباضات الولادة

وفي هذه الدراسة الجديدة، وجد باتابوتيان وفريقه أن هذين البروتينين لديهما أيضًا أدوار متميزة ومتكاملة أثناء الولادة: حيث ينشط PIEZO1 بشكل رئيسي في العضلات الملساء للرحم، ويستشعر الضغط أثناء تزايد الانقباضات، بينما يوجد PIEZO2 في الأعصاب الحسية لعنق الرحم والمهبل، حيث يتم تنشيطه عن طريق التمدد من الجنين النازل ويعزز انقباضات الرحم من خلال رد فعل عصبي.

بالعمل معًا، تُترجم البروتينات التمدد والضغط الجسدي إلى إشارات كهربائية وكيميائية تُساعد الرحم على الانقباض بإيقاع مُنسّق.

قد يُعوّض كلٌّ منهما الآخر جزئيًا، مما يضمن استمرار المخاض حتى في حال تعطل أحد المسارات.

باستخدام نماذج الفئران، قام فريق البحث بحذف جينات PIEZO1 وPIEZO2 بشكل انتقائي من الرحم أو الأعصاب الحسية المحيطة بعنق الرحم والمهبل.

سجّلت أجهزة استشعار الضغط المزروعة في الفئران الحوامل قوة وإيقاع الانقباضات أثناء المخاض الطبيعي.

أظهرت الفئران التي فقدت كلا البروتينين انخفاضًا في ضغط الرحم وتأخرًا في الولادة - مما يشير إلى أن الاستشعار القائم على العضلات الملساء والاستشعار القائم على الأعصاب يعملان بشكل تعاوني، وأن فقدان كلا المسارين يضعف الولادة بشكل كبير.

التنسيق الخلوي وتأثيراته على البشر

كشف تحليلٌ إضافيٌّ أن نشاط PIEZO يُنظّم التعبير عن بروتين كونيكسين 43، وهو بروتين يُشكّل الوصلات الفجوية: قنوات مجهرية تربط خلايا العضلات الملساء المتجاورة، فتنقبض بشكلٍ متناغم. بدون إشارات PIEZO، انخفضت مستويات كونيكسين 43، وتعرّض التنسيق بين خلايا العضلات الملساء للخطر.

يقول يونشياو تشانج، الباحث الرئيسي في الدراسة: "كونيكسين 43 هو الرابط الذي يسمح لجميع خلايا العضلات بالعمل معًا، عندما يضعف هذا الرابط، تفقد الانقباضات قوتها".

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت عينات أنسجة الرحم البشرية أنماط تعبير مشابهة لجينات PIEZO1 وPIEZO2 كتلك الموجودة لدى الفئران، مما يشير إلى أن آلية استشعار القوة المماثلة قد تعمل لدى البشر أيضًا.

قد يساعد هذا في تفسير بعض مضاعفات الولادة، مثل الانقباضات الضعيفة أو غير المنتظمة التي تُطيل مدة الولادة.

وتتوافق هذه النتائج مجتمعة مع الملاحظات السريرية التي تشير إلى أن الحصار العصبي الحسي الكامل يسبب إطالة مدة المخاض أثناء الولادة.

"في الممارسة السريرية، يتم إعطاء التخدير فوق الجافية بجرعات يتم التحكم فيها بعناية لأن حجب الأعصاب الحسية بالكامل يمكن أن يجعل عملية الولادة أطول بكثير"، كما يشير تشانج.

وأضاف: "تنعكس بياناتنا هذه الظاهرة؛ عندما قمنا بإزالة مسار PIEZO2 الحسي، ضعفت الانقباضات، مما يشير إلى أن بعض ردود الفعل العصبية تعزز عملية الولادة".

علاجات جديدة

تفتح نتائج فريق البحث آفاقًا جديدة لأساليب أكثر دقة لإدارة المخاض وتخفيف الألم.

إذا تمكن العلماء من تحديد جزيئات تعدل نشاط إنزيم PIEZO بأمان، فقد يتمكنون يومًا ما من تثبيط أو تعزيز انقباضات الرحم حسب الحاجة.

بالنسبة للأمهات المعرضات لخطر الولادة المبكرة، فإن حاصرات PIEZO1 - إذا طُوِّرت - لإبطاء الانقباضات قد تُكمِّل الأدوية الحالية التي تُرخي أنسجة العضلات عن طريق الحد من دخول الكالسيوم إلى الخلايا.

في المقابل، قد يُساعد مُركَّب يُنشِّط قنوات PIEZO على تقوية الانقباضات في حالات توقف الولادة.

على الرغم من أن هذه التطبيقات السريرية لا تزال بعيدة المنال، إلا أن العلوم الأساسية لا تزال في طور التشكل. ويدرس فريق البحث الآن كيفية تفاعل إشارات PIEZO مع المسارات الهرمونية التي تنظم الحمل.

التفاعل الهرموني

أظهرت دراسات سابقة أن البروجسترون، الهرمون الذي يحافظ على استرخاء الرحم أثناء الحمل، يمكنه تثبيط إفراز كونيكسين 43 حتى عندما تكون قنوات PIEZO نشطة، مما يضمن عدم بدء الانقباضات مبكرًا.

عندما تنخفض مستويات البروجسترون في وقت قريب من الولادة، قد تساعد إشارات الكالسيوم التي يحركها PIEZO في بدء سلسلة الأحداث البيولوجية التي تؤدي إلى الولادة.

قنوات بيزو والإشارات الهرمونية وجهان لعملة واحدة، كما يشير تشانج.

وقال: "الهرمونات تُهيئ الظروف، ومستشعرات القوة تُحدد متى ومدى قوة انقباض الرحم".

ستتعمق الأبحاث المستقبلية في المسارات العصبية المعنية، إذ لا تحتوي جميع الألياف الحسية المحيطة بالرحم على بروتين PIEZO2.

قد يستجيب بعضها لمحفزات أخرى، ويعمل كدعم احتياطي عند غيابه. إن فهم أي الأعصاب الحسية تُحفز المخاض وأيها ينقل الألم قد يؤدي في النهاية إلى أساليب أكثر دقة للتحكم في الألم لا تُبطئ الولادة.

وفي الوقت الحالي، تؤكد النتائج أن قدرة الجسم على استشعار القوة لا تقتصر على اللمس أو التوازن، بل إنها حيوية أيضًا لأحد أهم الأحداث البيولوجية الأساسية في الحياة.

تقول باتابوتيان: "الولادة عمليةٌ تتطلب التنسيق والتوقيت، بدأنا الآن نفهم كيف يعمل الرحم كعضلةٍ ومقياسٍ للإيقاع لضمان اتباع المخاض لإيقاع الجسم الطبيعي".