اكتشاف جديد قد يحمل أدلة لتصميم لقاحات ضد حمى الضنك
حمى الضنك من أسرع الأمراض المنقولة بالبعوض انتشارا في العالم، وتتسبب في ملايين الإصابات سنويا، فنصف سكان العالم معرضون للخطر حاليا، ويتزايد انتقال العدوى في العديد من المناطق بسبب تغير المناخ.
لطالما اشتبه الباحثون في أن الأشخاص الذين يتعافون من فيروس حمى الضنك دون ظهور أي أعراض قد يحملون أدلة مهمة على الحماية، إلا أن دراستهم المباشرة لا تزال صعبة.
وتقدم دراسة جديدة نُشرت في مجلة "ساينس ترانسليشنال ميديسين" خريطةً فريدةً ومفصلةً على مستوى الخلية الواحدة لهذه الحالات.
نشر فريق من الباحثين أول أطلس مناعي أحادي الخلية لحمى الضنك غير المصحوبة بأعراض، مما يوفر نظرة نادرة على كيفية تمكن الجهاز المناعي من مكافحة الفيروس دون التسبب في المرض.
قد يُسهم هذا العمل في توجيه تصميم لقاحات أكثر أمانًا وفعالية ضد حمى الضنك.

حمى الضنك
يُعدّ مرض حمى الضنك بدون أعراض حالةً غير مرئية عمليًا للأنظمة الطبية: يشعر المصابون بصحة جيدة تمامًا، ونادرًا ما يطلبون الرعاية الطبية، كما أن فترة بقاء الفيروسات قابلة للكشف في الدم قصيرة.
وقد أُتيحت هذه النتائج الجديدة بفضل دراسة استقصائية منزلية استمرت خمس سنوات، تابعت المخالطين المقربين لمرضى حمى الضنك المؤكدة إصابتهم، بالاعتماد على مناهج مجتمعية رائدة طُبقت لأول مرة في تايلاند من خلال مشروع DENFREE قبل أكثر من عقد من الزمان.
"خلال تلك السنوات الخمس، لم يتم رصد سوى ثماني حالات إصابة حقيقية بحمى الضنك بدون أعراض، بينما كان الفيروس لا يزال موجودًا في الدم"، كما صرحت بونبان ماتانجكاسومبوت، عالمة المناعة في جامعة ماهيدول.
وأضافت: "هذه الحالات نادرة للغاية وذات قيمة كبيرة. فبدونها، قد لا نفهم سبب شفاء بعض الأشخاص من حمى الضنك دون ظهور أي أعراض".
أصبحت هذه الحالات الثماني، إلى جانب حالات أخرى ذات أعراض خفيفة وشديدة، أساسًا لخريطة مناعية عالية الدقة مبنية من أكثر من 134000 خلية مناعية فردية، تم تحديد خصائصها باستخدام تسلسل الحمض النووي الريبي أحادي الخلية وتسلسل مستقبلات المناعة.
استجابتان مناعيتان
قال الدكتور وارادون سونجناك، عالم المناعة وعلم الأحياء الحاسوبي في جامعة ماهيدول: "كشفت البيانات التفصيلية على مستوى الخلايا عن اختلافات حادة بين الاستجابات المناعية لدى المصابين وغير المصابين، فقد أظهر غير المصابين بأعراض أنماطًا مميزة في أنواع الخلايا المناعية الرئيسية، بما في ذلك الخلايا التائية CD8، والخلايا القاتلة الطبيعية، والخلايا المنتجة للأجسام المضادة مثل تلك التي تنتج IgA، مما يميزهم عن الحالات المصحوبة بأعراض".
وقال الدكتور تيرابوت بونبانيشاكول: "على النقيض من ذلك، أظهرت حمى الضنك المصحوبة بأعراض سمات مناعية مرتبطة بعمليات أكثر ضرراً".
وأضاف: "كانت السمات الموجودة في الحالات غير المصحوبة بأعراض غائبة إلى حد كبير في حمى الضنك المصحوبة بأعراض، والتي أظهرت بدلاً من ذلك علامات على امتصاص الفيروس بوساطة الأجسام المضادة والالتهاب".
ساعدت إشارات بيولوجية أخرى في التمييز بين الحالات التي لا تظهر عليها أعراض والأمراض الأكثر خطورة.
تُقدّم النتائج مجتمعة صورة أوضح للتفاعل بين الاستجابات المضادة للفيروسات الوقائية والمسارات الالتهابية التي تُسبب الأعراض.
ويقول الباحثون إن هذا العمل يُظهر أيضاً قيمة مناهج الخلايا المفردة في الأمراض المعدية.
"تُظهر هذه الدراسة قدرة تقنيات الخلية الواحدة على الكشف عن حالات مناعية كانت ستظل خفية لولاها"، هذا ما قالته البروفيسورة سارة تايخمان، الرئيسة السابقة لقسم علم الوراثة الخلوية في معهد ويلكوم سانجر.
نحو لقاحات أفضل ضد حمى الضنك
قد تواجه لقاحات حمى الضنك الحالية تحديات، بما في ذلك احتمال عدم اتساق الحماية التي توفرها بين مختلف الأنماط المصلية للفيروس.
وتقدم النتائج الجديدة خارطة طريق لتصميم لقاحات تحاكي الاستجابات المناعية الوقائية الطبيعية بدلاً من تلك المرتبطة بالمرض الشديد.
يشير الباحثون إلى أن اللقاحات المستقبلية قد تستفيد من تعزيز استجابات الخلايا التائية السامة CD8 الوقائية، مع تقليل مسارات الالتهاب المرتبطة بتفاقم الحالة.
تمثل هذه الدراسة خطوة هامة نحو فهم سبب اختلاف تأثير حمى الضنك على الأفراد، وكيف يمكن للجهاز المناعي القضاء على الفيروس دون ظهور أي أعراض مرضية.

