الإثنين 20 يوليو 2026 الموافق 06 صفر 1448
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

متلازمة الثلج البصري كلمة السر.. لماذا نرى أحيانا وجوهًا غير موجودة؟

الأحد 28/ديسمبر/2025 - 02:15 ص
متلازمة الثلج البصري
متلازمة الثلج البصري


عندما تنظر إلى الغيوم أو لحاء الأشجار أو مقدمة السيارة، هل ترى أحيانًا وجهًا يحدق بك؟ هذا ما يُعرف بـ«وهم الوجه»، وهو وهم طبيعي تمامًا حيث يرى دماغنا وجوهًا في أنماط ليست وجوهًا في الواقع.

بالنسبة لمعظمنا، هذه الأوهام غير ضارة، لكن بحثًا جديدًا، نُشر في مجلة «بيرسبشن»، يشير إلى أن الأشخاص المصابين بمتلازمة الثلج البصري - وهي حالة عصبية نادرة تسبب «تشويشًا بصريًّا» مستمرًا - يعانون من هذه الظاهرة بشكل أقوى وأكثر تكرارًا.

تُقدّم هذه النتيجة نافذة فريدة لفهم كيف يُمكن للدماغ المُفرط النشاط أن يُضخّم الأنماط الوهمية الخاطئة التي يراها في العالم، كما تُظهر كيف أن الإدراك ليس مرآة مثالية للواقع.

ما هي متلازمة الثلج البصري؟

تتميز متلازمة الثلج البصري برؤية مستمرة لنقاط متذبذبة، مثل تشويش التلفاز، في كامل مجال الرؤية.

كثيرا ما يذكر المصابون بهذه الحالة أن هذه النقاط لا تختفي أبدا، حتى في الظلام.

لا يزال سبب هذه المتلازمة غير واضح، لكن تشير الأدلة الحديثة إلى فرط استثارة القشرة البصرية، وهي المنطقة الدماغية المسؤولة عن تفسير ما نراه.

بعبارة أخرى، قد تنشط الخلايا العصبية المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية بشكل مفرط، مما يُشوش الإدراك البصري.

يعاني العديد من المصابين بمتلازمة الثلج البصري من الصداع النصفي، وحساسية الضوء، وظهور صور لاحقة أو آثار بصرية تستمر بعد الحركة. هذه الأعراض قد تجعل التجارب البصرية اليومية مربكة ومرهقة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من تزايد الوعي، لا تزال هذه الحالة غير مشخصة بشكل كافٍ وغير مفهومة جيدا.

كيف يؤثر «الثلج البصري» على الإدراك؟

لاختبار ما إذا كان هذا النظام البصري المفرط النشاط يغير طريقة تفسير الناس للمدخلات البصرية الغامضة، قام فريق البحث لدينا بدعوة أكثر من 250 متطوعًا لإكمال تجربة عبر الإنترنت.

أكمل المشاركون أولا استبيانا قصيرا لتحديد ما إذا كانوا يعانون من أعراض ظاهرة الثلج البصري، ثم عُرضت عليهم 320 صورة لأشياء يومية، من جذوع الأشجار إلى فناجين القهوة، وطُلب منهم تقييم مدى سهولة رؤية وجه في كل صورة، على مقياس من 0 إلى 100.

إجمالاً، استوفى 132 شخصًا معايير متلازمة الثلج البصري، بينما شكّل 104 أشخاص مجموعة ضابطة متطابقة في العمر.

كما تتبع الباحثون ما إذا كان المشاركون يعانون من الصداع النصفي، مما سمح لنا بمقارنة أربع مجموعات فرعية.

كانت النتائج لافتة للنظر، فقد أعطى الأشخاص المصابون بظاهرة «الثلج البصري» باستمرار درجات أعلى في تمييز الوجوه في كل صورة مقارنةً بالأشخاص غير المصابين بها، وهذا يشير إلى أنهم كانوا أكثر عرضةً لرؤية الوجوه في الأنسجة والأشياء العشوائية.

أولئك الذين يعانون من كل من التشويش البصري والصداع النصفي سجلوا أعلى الدرجات على الإطلاق.

كان هذا النمط متسقًا بشكل ملحوظ.

بشكل عام، اتفقت المجموعات على الصور التي بدت أقرب إلى الوجوه، لكن المجموعة التي عانت من تشوش الرؤية أفادت برؤية وجوه وهمية بشكل أكثر وضوحًا.

بمعنى آخر، أدت نفس الأشياء إلى إثارة وهم أقوى.

تتفق النتائج مع النظريات السابقة التي تشير إلى أن الدماغ البصري سريع الاستجابة، ففي الوضع الطبيعي، يُصدر نظامنا البصري «تخمينات» سريعة وبسيطة حول ما نراه، تليها عمليات تحقق أبطأ لتأكيد تلك التخمينات.

عندما تتعطل حلقة التغذية الراجعة هذه بسبب النشاط العصبي المفرط، قد يتم تضخيم «الإنذار الكاذب» المبكر، مثل الخلط بين شيء ما ووجه، بدلا من تصحيحه.

الصداع النصفي والثلج البصري

غالبا ما يرتبط الصداع النصفي وظاهرة الثلج البصري، وكلاهما ينطوي على مستويات عالية غير طبيعية من النشاط القشري.

في أثناء نوبة الصداع النصفي، قد تصبح الخلايا العصبية البصرية شديدة الحساسية للوميض والضوء والتباين.

تشير البيانات إلى أنه عندما يتزامن الصداع النصفي مع تشوش الرؤية، تزداد حساسية الدماغ للوجوه الوهمية بشكل أكبر، وقد يعكس هذا وجود مسار عصبي مشترك يربط بين الحالتين.

يمكن للبحوث المستقبلية الاستفادة من هذه العلاقة لتطوير أدوات تشخيصية جديدة.

طريقة جديدة لفهم الإدراك

إن ظاهرة رؤية الوجوه ليست اضطرابا، بل هي أثر جانبي لنظام إدراكي يُعطي الأولوية للمعلومات الاجتماعية.

لقد وجّه التطور نظامنا البصري نحو رصد الوجوه أولاً ثم طرح الأسئلة لاحقا.

بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من تشوش الرؤية، قد يكون هذا النظام مفرط النشاط. قد تقوم أدمغتهم «بربط النقاط» في الضوضاء البصرية، وتفسير المدخلات الغامضة على أنها أنماط ذات معنى.

تدعم هذه النتيجة فكرة أن التشويش البصري ليس مجرد مشكلة في الرؤية، بل هو اضطراب أوسع في كيفية تفسير الدماغ للمدخلات البصرية.

ومن خلال فهم سبب رؤية بعض الناس للكثير، يمكن أن نتعلم المزيد عن كيفية رؤيتنا جميعًا على الإطلاق.

غالباً ما يتم تجاهل متلازمة الثلج البصري أو تشخيصها بشكل خاطئ، مما يُسبب إحباطاً للمرضى.

إن ربط هذه الحالة بوهم بصري قابل للقياس، مثل رؤية الوجوه بشكل غير طبيعي، يُعطي الأطباء دليلا ملموسا على تغير نشاط الدماغ الكامن وراء هذه الأعراض، كما أنه يضفي طابعا إنسانيا على التجربة، فالأشخاص الذين يعانون من ظاهرة الثلج البصري لا يتخيلون إدراكهم، بل إن أدمغتهم تعالج العالم بشكل مختلف فعلا.

وبعيدا عن التشخيص، يساهم هذا البحث في الإجابة على سؤال أكبر في علم الأعصاب: كيف يحقق الدماغ التوازن بين الحساسية والدقة؟

إذا كان النشاط قليلا جدا، فلن نتمكن من رصد الإشارة، وإذا كان كثيرا جدا، فسنبدأ برؤية وجوه في الثلج.