اكتشاف جديد قد يساعد الأطباء في إصلاح العظام
عندما يندلع حريق في منزل، نفترض أن جهاز إنذار الدخان الموجود بداخله سيؤدي غرضًا واحدًا فقط: تحذير السكان من الخطر. لكن تخيل لو أن هذا الجهاز قادر على التحول إلى أداة لمكافحة الحريق أيضًا.
في دراسة جديدة نُشرت في مجلة ساينس، أظهر فريق بحثي أن "منبهات الألم" في الجسم - وهي الخلايا العصبية الحسية - تؤدي وظيفة مزدوجة.
ففي حالة حدوث كسر في العظام، لا تقتصر وظيفة هذه الأعصاب على الإبلاغ عن الإصابة فحسب، بل تتحول أيضاً إلى "مُوجِّهات لإعادة البناء" تُوجِّه بنشاط الخلايا لإعادة بناء الهيكل العظمي.

الخلايا العصبية الحسية وترميم العظام
يقدم هذا البحث تقريراً وتفاصيل -لأول مرة- عن شبكة بين الخلايا العصبية الواردة الطرفية، وهي أعصاب ترسل إشارات من جميع مناطق الجسم إلى الجهاز العصبي المركزي (الدماغ والعمود الفقري)، والتي من خلالها تتواصل الأعصاب مباشرة مع الخلايا المكونة للعظام بعد إصابة هيكلية، باستخدام إشارات بروتينية محددة لتحفيز تكوين ونمو وانتشار عظام جديدة تتعافى.
وقال المؤلف الأول المشارك في الدراسة، الدكتور تشاو لي: "لأول مرة، قمنا برسم خريطة لدائرة هذه الشبكة العصبية، وحددنا الخلايا العصبية الحسية المحددة التي تعصب [تزود] العظام بالأعصاب، وحددنا كيف تتغير هذه الخلايا العصبية بعد الإصابة، وحددنا الإشارات التي تنتجها والتي تعتبر ضرورية لتعزيز تكوين العظام وإصلاحها".
لرسم خريطة الشبكة العصبية التي يتم من خلالها إرسال الإشارات لإصلاح العظام، استخدم لي وزملاؤه فيروسًا مرتبطًا بالغدة الدرقية تم هندسته في المختبر مع ميل للأعصاب الطرفية - انجذاب قوي نحو الأعصاب الطرفية التي تعصب العظام - لتحديد أي من خلايا العقدة الجذرية الظهرية (DRG)، وهي أعصاب على طول الحبل الشوكي والتي تعتبر بالغة الأهمية في نقل الإشارات من الأعصاب الطرفية إلى الجهاز العصبي المركزي، تقوم بالفعل بهذه المهمة.
يقول آرون جيمس، المؤلف الرئيسي للدراسة: "إن هذه التقنية، المعروفة باسم التتبع الرجعي، تشبه تتبع سلك كهربائي واحد من مصباح كهربائي عبر الجدران للعثور على مكان وجود قاطع الدائرة".
وأضاف جيمس: "لقد جمعنا بين التتبع الرجعي وتقنية ثانية، وهي عزل تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي الخلية، لدراسة خلايا العصب الحسي المغذية للعظام في الفئران - قبل وبعد كسور العظام - ثم عزلناها لتحديد البروتينات التي تنتجها كل خلية".
وتابع: "بجمع بيانات جميع الخلايا التي تم تحليلها، أنشأنا أول أطلس شامل للخلايا العصبية الحسية المغذية للعظام، وهو عبارة عن خريطة للشبكة العصبية والإشارات اللازمة لإصلاح العظام".
في دراسة أجريت عام 2019 في مجلة التحقيقات السريرية ، أظهر باحثون بقيادة مختبر جيمس في الفئران أنه عند نقطة الكسر، يرتبط بروتينان، وهما مستقبلات كيناز التروبوميوسين-أ (TrkA) وعامل نمو الأعصاب (NGF)، معًا لتعزيز التعصيب وعملية تؤدي إلى إنتاج عظام جديدة.
يقول جيمس: "عندما قمنا بتثبيط استجابة الخلايا العصبية TrkA+، سواءً وراثيًا أو كيميائيًا، لاحظنا انخفاضًا كبيرًا ليس فقط في التعصيب، بل أيضًا في الأنشطة الثلاثة اللاحقة الحاسمة للتعافي الناجح من الكسر: تكوين الأوعية الدموية، وإنتاج الخلايا المُكوِّنة للعظام، وتمعدن العظام الجديدة. تشير هذه النتيجة إلى أن التئام الكسور يعتمد بشكل حقيقي على الإشارات العصبية التي توجهها الألياف العصبية المُعبِّرة عن TrkA، إلا أن الأسس الجزيئية اللاحقة لا تزال مجهولة".
اكتُشف عامل نمو الأعصاب (NGF) لأول مرة في خمسينيات القرن الماضي، وهو معروف الآن بدوره في توجيه نمو الخلايا العصبية وصيانتها وتكاثرها والحفاظ عليها في جميع أنحاء الجسم. كما أنه يساعد الخلايا العصبية على تنبيه الدماغ إلى الأنسجة التي تعاني من الألم نتيجة الإصابة أو المرض، بما في ذلك العظام.
مراحل التئام العظام
في دراستهم الجديدة، تعمق الباحثون أكثر في عملية التئام العظام، باحثين عن ما يحول الخلايا العصبية DRG الخاصة بالعظام من الخلايا العصبية التي تبلغ عن الالتهاب أو الإصابة في الجهاز العصبي المركزي إلى خلايا تحفز إصلاح العظام الموضعي.
يقول لي: "ما اكتشفناه هو وجود تغيرات ديناميكية مرتبطة باستجابة الخلايا العصبية الحسية لإصابة العظام، وأن هذه التغيرات تعكس كيفية إصلاح العظام على مراحل. فمباشرة بعد الإصابة، تكون خلايا العقدة الجذرية الظهرية مستقبلات للألم، وهي أعصاب تنتج إشارات تركز على إدراك الألم والاستجابات الالتهابية، ولكن في مراحل لاحقة، تدخل في مرحلة مختلفة، وهي حالة محفزة للتجدد، حيث تنتج وتطلق بروتينات تعزز تكوين خلايا عصبية جديدة وأوعية دموية، وبالطبع العظام والغضاريف".
وأضاف لي أن الفريق وجد ثلاثة عوامل مورفوجينية مشتقة من الأعصاب (بروتينات إشارة توجه تكوين وتنظيم الأنسجة والأعضاء، بما في ذلك العظام) - عامل النمو المحول بيتا 1 (TGFB1)، وعامل نمو الخلايا الليفية 9 (FGF9)، وبروتين سونيك هيدجهوج (SHH) - ذات أهمية خاصة لأنها تُنتَج بواسطة جينات في الخلايا العصبية خلال المراحل الأولى من ترميم العظام، ثم قام الباحثون بإزالة الخلايا العصبية المسؤولة عن هذه البروتينات جراحيًا أو تعطيلها وراثيًا، وهي عملية تُسمى قطع التعصيب، في عظام مكسورة لدى مجموعة من الفئران.
يوضح لي قائلاً: "لاحظنا في الفئران التي خضعت لقطع الأعصاب وجود خلل في تكاثر خلايا الهيكل العظمي، وقلة تمايز الخلايا الجذعية إلى خلايا عظمية وغضروفية، وضعف عام في ترميم العظام، ومن خلال تحليل أكثر شمولاً، تمكنا من تحديد بروتين واحد، وهو FGF9 المشتق من الخلايا العصبية، باعتباره إشارة نظيرة أساسية [من خلية إلى أخرى] لنقل الخطوات اللازمة لإصلاح العظام المصابة."
وقال لي إن الباحثين أكدوا الدور الرئيسي لـ FGF9 في عملية إصلاح العظام باستخدام طريقة تم فيها استئصال الخلايا العصبية التي تفرز البروتين في الفئران.
علاجات التئام العظام المستقبلية
يقول جيمس إن العمل الذي تم إنجازه في هذه الدراسة يوضح أنه "من خلال الربط بين علم الأعصاب وعلم الأحياء الهيكلي والطب التجديدي، نعرف الآن أن خلايا الأعصاب DRG المستشعرة للألم، والمتخصصة في نقل الألم الشديد بعد إصابة العظام، تعمل في الوقت نفسه على تحفيز تجديد العظام".
وأضاف جيمس: "إن حل مفارقة كيفية قيام مستقبلات الألم بهذا الدور المزدوج، وتحديد إشارات FGF9 كإشارة رئيسية لحدوث إصلاح العظام، يمنحنا هدفًا محتملاً للأدوية التي قد تعزز يومًا ما التئام العظام، خاصة عند الأشخاص الذين يعانون من حالات صعبة، مثل الشيخوخة أو مرض السكري أو الاعتلال العصبي".

