كيف يمكن استهداف فيروس نقص المناعة البشرية؟
تغلبت دراسة جديدة على تحدٍّ عريق: كيفية عزل ودراسة الخلايا المصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، والتي تُعرف باسم "الخلايا المستنسخة الأصلية للمستودع" (ARCs)، والتي تتجنب الجهاز المناعي، مما يجعل علاج المرض صعبًا.
ويقدم باحثون نظرةً معمقةً على هذه الخلايا الخفية الحاملة لفيروس نقص المناعة البشرية، ويُظهرون أن بعضها قد يكون أكثر عرضةً للتدمير المناعي مما كان يُعتقد سابقًا.
وتفصّل النتائج، التي نُشرت في مجلة Nature، كيف جمع الباحثون هذه الخلايا النادرة من المشاركين في الدراسة المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، وكيف نجحوا في تنميتها في المختبر للحصول على رؤى قد تؤدي في النهاية إلى علاج.
"لعقود من الزمن، كنا نعلم أن فيروس نقص المناعة البشرية يختبئ في خلايا مناعية طويلة الأمد تُسمى الخلايا التائية، لكننا لم نتمكن من دراسة هذه الخلايا النادرة للغاية - خلية واحدة من بين مليون"، كما قال المؤلف الرئيسي للدراسة، براد جونز.
وأضاف: "من خلال عزل الخلايا التائية المقاومة للمضادات الحيوية، أصبح بإمكاننا الآن دراسة كيفية بقائها على قيد الحياة وكيفية القضاء عليها بشكل مباشر".
وقال جونز: "اكتشفنا أن العثور على إبرة في كومة قش ليس مستحيلاً دائماً، بل يتطلب جهداً جماعياً".

كيف يختبئ فيروس نقص المناعة البشرية ويستمر؟
يستطيع فيروس نقص المناعة البشرية التخفي عن الجهاز المناعي عن طريق إدخال شفرته الوراثية في الحمض النووي لخلايا مناعية بشرية تُسمى خلايا CD4 + T، والدخول في حالة سكون أو خمول.
ولأن الفيروس لا يتكاثر بنشاط، لا يستطيع الجهاز المناعي اكتشاف هذه الخلايا المصابة أو تدميرها.
لا تستطيع العلاجات المضادة للفيروسات، التي تُخفّض مستوى فيروس نقص المناعة البشرية في الدم إلى مستويات شبه معدومة، القضاء على الفيروس تمامًا، لأن مجموعة فرعية من مثبطات مستقبلات الأنجيوتنسين تسمح للفيروس بالعودة للنشاط عند التوقف عن العلاج. ونتيجةً لذلك، يجب على المرضى الاستمرار في تناول هذه الأدوية مدى الحياة.
استكشاف الخزانات في المختبر
مع وجود الخلايا العصبية الشبكية المراوغة في متناول اليد، يمكن للباحثين أخيرًا البدء في البحث عن إجابات - كيف تتجنب هذه الخلايا الكشف عنها، ولماذا لم تنجح العلاجات التجريبية المصممة "لإيقاظ" الخلايا العصبية الشبكية والقضاء عليها؟
لم تُنتج سوى قلة قليلة من هذه الخلايا المُستزرعة مخبريًا جزيئات فيروسية جديدة بنشاط في أي وقت، وكان من الصعب جدًا تنشيطها.
اختبر الباحثون ما يحدث عند وضع الخلايا اللمفاوية التائية السامة (CTLs) - وهي الخلايا الرئيسية في الجسم التي تقتل فيروس نقص المناعة البشرية - في اتصال طويل الأمد مع الخلايا المُستزرعة مخبريًا.
على نحوٍ مُثيرٍ للدهشة، على الرغم من ندرة ظهور فيروس نقص المناعة البشرية، إلا أن معظم الخلايا المُستنسخة المُخزِّنة للفيروس قد تم استنزافها والقضاء عليها تدريجيًا بمرور الوقت بواسطة الخلايا اللمفاوية التائية السامة القوية.
وهذا يُشير إلى أنه إذا كانت الخلايا اللمفاوية التائية السامة قوية بما يكفي ونشطة لفترة كافية، فإنها تستطيع اصطياد الخلايا المُخزِّنة خلال فترات وجيزة عندما يصبح فيروس نقص المناعة البشرية مرئيًا، مما يُؤدي إلى تقليص حجم المُخزِّن ببطء.
مع ذلك، حتى في ظل ظروف الضغط الشديد للخلايا التائية السامة للخلايا، استمرت مجموعة فرعية من الخلايا المناعية المقاومة للمضادات الحيوية في التكاثر لعدة دورات، بالإضافة إلى الخلايا الناجية غير المتكاثرة.
بمعنى آخر، استطاعت هذه الخلايا تحمل ضربات الجهاز المناعي دون أن تموت. يقول جونز: "المشكلة لا تكمن فقط في الكمون ، بل في الكمون بالإضافة إلى مقاومة الموت".
إضعاف الخلايا العنيدة
استنادًا إلى هذه المعلومات الجديدة، اختبر الباحثون دواءً معتمدًا من إدارة الغذاء والدواء الأميركية يُدعى ديفيروكسامين لمعرفة ما إذا كان بإمكانه إضعاف دفاعات الخلايا المقاومة. وقد زاد ديفيروكسامين من الإجهاد التأكسدي في هذه الخلايا، مما سمح للخلايا اللمفاوية التائية السامة للخلايا بقتلها بكفاءة أكبر.
يعتقد جونز أنه قد توجد علاجات أخرى أو توليفات علاجية تعمل بطريقة مماثلة، مما يسمح للجهاز المناعي بالقضاء على المستودعات الكامنة.
وقال: "من خلال تحسيس الخلايا للإجهاد التأكسدي، تمكنا من استعادة قابلية الخلية لهجمات الخلايا المناعية. وهذا يشير إلى أن استراتيجيات التوليف العقلانية باتت في متناول اليد".
يعمل الفريق حاليًا على تحسين تقنيات زراعة الخلايا الجذعية السرطانية، كما يخططون لزراعة هذه الخلايا لمشاركتها مع مختبرات أخرى أو لتدريبها على هذه التقنيات، مما يُسهم في تسريع وتيرة التقدم.
ويهدف جونز إلى إنشاء مكتبة شاملة لجميع الآليات التي تستخدمها هذه الخلايا للبقاء على قيد الحياة، وتحديد أفضل الأهداف العلاجية.
وقال: "إذا تمكنا من تسليح الجهاز المناعي بشكل صحيح لقتل تلك الخلايا عند تعرضها، فقد نتمكن من ترجيح الكفة نحو القضاء على الخزانات وعلاج العدوى".