الإثنين 20 يوليو 2026 الموافق 06 صفر 1448
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

كيف يمكن لجهاز المناعة المفرط النشاط أن يؤدي إلى الإصابة بالسرطان؟

الجمعة 10/أبريل/2026 - 01:25 ص
الجهاز المناعي
الجهاز المناعي


صُمم الجهاز المناعي لحمايتنا من الفيروسات والبكتيريا، لكن في أمراض المناعة الذاتية، يهاجم الجهاز المناعي خلايا الجسم نفسه.

ومن الأمثلة المعروفة على ذلك مرض الذئبة الحمراء الجهازية (الذئبة) والتهاب المفاصل الروماتويدي.

وتشير التقديرات إلى أن ما يقارب 250 ألف شخص في النرويج يعانون من شكل من أشكال أمراض المناعة الذاتية، أي ما يعادل 8% إلى 10% من سكان العالم.

يقول راماكريشنا برابهو جوبالاكريشنان، الباحث في جامعة أوسلو ومستشفى جامعة أوسلو: "لطالما عرف الباحثون أن الأشخاص المصابين بأمراض المناعة الذاتية أكثر عرضة للإصابة بسرطان الغدد الليمفاوية، ولكن لم يكن واضحاً ما الذي يربط هذه الأمراض فعلياً على المستوى الجزيئي".

في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Communications، يصف جوبالاكريشنان وزملاؤه آلية محتملة يمكن أن تساعد في تفسير سبب قدرة ردود الفعل المناعية الذاتية المستمرة على زيادة خطر الإصابة بسرطان الغدد الليمفاوية.

يُعدّ نوعان من خلايا الدم البيضاء، وهما الخلايا البائية والخلايا التائية، عنصرين أساسيين في الجهاز المناعي، ويعملان معًا لمكافحة العدوى.

تُنتج الخلايا البائية أجسامًا مضادة تتعرف على المواد الغريبة، مثل الفيروسات والبكتيريا، وترتبط بها.

أما الخلايا التائية فتساعد في تنسيق الاستجابة المناعية، ويمكنها إما دعم نشاط خلايا مناعية أخرى أو تثبيطه.

في الظروف الطبيعية، يتم تنظيم هذا التعاون بين الخلايا البائية والتائية بشكل دقيق.

عندما لا يتوقف الجهاز المناعي عن العمل

في هذه الدراسة، وجد الباحثون أنه عندما يصبح التفاعل بين الخلايا البائية والخلايا التائية قويًا جدًا وغير منظم بشكل جيد، تبدأ الخلايا بتنشيط بعضها البعض باستمرار.

يقول البروفيسور بيارن بوغن من جامعة أوسلو وجامعة أكسفورد: "في البداية، يؤدي هذا إلى أمراض المناعة الذاتية. ومع مرور الوقت، يمكن أن يساهم هذا التنشيط المطول وغير الطبيعي أيضًا في تطور سرطان الغدد الليمفاوية".

قد يكون لهذا الاكتشاف آثار على كيفية علاج سرطان الغدد الليمفاوية في المستقبل.

ويقول: "تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم كيف يمكن لجهاز المناعة لدينا، الذي يحمينا عادةً، أن يساهم في بعض الحالات في الإصابة بالسرطان".

لفهم أهمية هذه النتائج، من المفيد إلقاء نظرة فاحصة على ما اكتشفه الباحثون. باستخدام نموذج الفئران ، درسوا كيف يصبح التعاون بين الخلايا البائية والتائية مزمنًا.

حدد الباحثون إشارتين حاسمتين، أو "رسائل" ترسلها الخلايا المناعية إلى بعضها البعض والتي تعمل معًا على تحفيز التنشيط المزمن.

تحدث الإشارة الأولى عندما تتعرف الخلايا البائية عن طريق الخطأ على جزيئات الجسم نفسها كما لو كانت غريبة وخطيرة. هذا التعرف الخاطئ ينشط الخلايا البائية جزئياً.

لتفعيل الخلية البائية بشكل كامل، فإنها تحتاج إلى إشارة ثانية.

تحدث هذه الإشارة الثانية عندما تتعرف الخلايا التائية على جزء محدد من بنية الأجسام المضادة الخاصة بالخلايا البائية. ويؤدي هذا التعرف إلى تضخيم التنشيط الذي بدأ بالفعل في الخلايا البائية.

ويوضح جوبالاكريشنان قائلاً: "عندما تعمل هذه الإشارات معًا، يمكن أن تتطور دورة مستمرة ومعززة ذاتيًا، حيث يمكن للخلايا البائية والتائية أن تحافظ على نشاط بعضها البعض".

في الوضع الطبيعي، يتم التحكم في هذا التنشيط المتبادل بواسطة الخلايا التائية التنظيمية ، وهي مجموعة فرعية من الخلايا التائية التي تضمن عدم تجاوز الاستجابة المناعية الحد المسموح به أو أن تصبح ضارة، ومع ذلك، قد تفشل آلية التحكم هذه في بعض الأحيان.

عندما يحدث ذلك، يفقد الجسم السيطرة على التنشيط المتبادل بين الخلايا البائية والتائية. وهذا يؤدي إلى تفاعل غير طبيعي وغير منضبط وتحفيز مفرط مزمن.

يمكن أن يؤدي هذا التنشيط المطول للخلايا المناعية إلى الإصابة بأمراض المناعة الذاتية، وبالتالي يساهم في تطور أمراض المناعة الذاتية.

من آلية الدفاع إلى خطر الإصابة بالسرطان

في الوقت نفسه، يزيد التحفيز المفرط المزمن من خطر حدوث أخطاء جينية. فعندما تكون الخلايا نشطة وتنقسم باستمرار، يزداد احتمال حدوث تغيرات جينية ضارة. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تحول كل من الخلايا البائية والخلايا التائية إلى خلايا سرطانية.

يشير جوبالاكريشنان إلى أن "الاستجابة المناعية نفسها التي تبدأ كمرض مناعي ذاتي يمكن أن تُهيئ، بمرور الوقت، الأرضية لتطور السرطان". ويضيف: "تشير نتائجنا إلى أن التعاون غير الطبيعي طويل الأمد بين خلايا مناعية محددة قد يكون قوة دافعة رئيسية وراء تطور سرطان الغدد الليمفاوية".

آثار مهمة على العلاج المستقبلي

أظهرت العديد من الدراسات الوبائية سابقًا أن المرضى الذين يعانون من أمراض المناعة الذاتية لديهم خطر متزايد للإصابة بسرطان الغدد الليمفاوية من نوع الخلايا البائية غير هودجكين، وهو نوع شائع من سرطان الغدد الليمفاوية.

تقدم هذه الدراسة الجديدة تفسيراً بيولوجياً لهذه العلاقة. ومن خلال توضيح كيفية تطور سرطان الغدد الليمفاوية على المستوى الجزيئي والخلوي، يأمل الباحثون أن تسهم نتائجهم في نهاية المطاف في تطوير استراتيجيات أفضل للوقاية والعلاج.

يقول بوغن: "من حيث المبدأ، قد تُمكّن هذه المعرفة من تعطيل التنشيط المناعي الضار الذي يحدث في المراحل المبكرة من تطور المرض. إذا استطعنا التدخل في الوقت المناسب، فقد يكون من الممكن تقليل خطر الإصابة بالسرطان لدى المرضى الذين يعانون من أمراض المناعة الذاتية، وتطوير علاجات أكثر استهدافًا لسرطان الغدد الليمفاوية، وربما حتى إيقاف تطور المرض قبل ظهور السرطان".