هل تستطيع الخلايا المناعية درء الأمراض العصبية التنكسية المدمرة؟
يعد شكل متطور من علاج الاضطرابات العصبية التنكسية المدمرة عن طريق حقن خلايا مناعية جديدة (الخلايا الدبقية الصغيرة) مباشرة في الدماغ، أملا جديدا في الصحة من خلال إبطاء تقدم الحالات التي تسرق العقل.
ويجري البحث حاليا في الصين وهو في مرحلة ما قبل السريرية ويهدف إلى حماية الخلايا العصبية الحيوية وفي الوقت نفسه مكافحة العلامات المبكرة للاضطرابات العصبية مثل مرض الزهايمر.
حتى الآن، تم إجراء عمليات زرع الخلايا الدبقية الصغيرة في نماذج حيوانية، ولكنها أدت إلى تخفيف أعراض الأمراض العصبية.

الخلايا الدبقية الصغيرة
الخلايا الدبقية الصغيرة خلايا نشطة للغاية، تتمدد وتنكمش باستمرار، وتفحص بيئة الدماغ بأكملها، وتقوم بمراقبة مناعية حيوية وإصلاح الأنسجة.
باختصار، تعمل هذه الخلايا على مدار الساعة، باحثةً عن التهديدات، خفية كانت أم ظاهرة.
نُشر البحث الجديد في مجلة "ساينس ترانسليشنال ميديسن"، ويقوده فريق من الباحثين في معهد علوم الأعصاب بكلية الطب بجامعة شيامن بمقاطعة فوجيان.
ويُعدّ فريق شيامن واحدًا من فرق صينية عدة مشاركة في الدراسة.
أفاد العلماء الذين يعملون على الاستراتيجية الجديدة لتجديد الخلايا الدبقية الصغيرة في الدماغ أن استراتيجيتهم تُعدّ تحديثًا لتقنية سابقة.
يكمن الفرق في أن النهج البحثي يُقدّم طريقة جديدة ومُحسّنة لإبطاء فقدان الخلايا العصبية والحدّ من تفاقم العديد من الأمراض العصبية التنكسية.
وكتب الدكتور داديان تشين، المؤلف الرئيسي للدراسة: "لقد حددت الأدلة الجينية والمرضية خلل وظائف الخلايا الدبقية الصغيرة كمساهم رئيسي في التسبب في الأمراض وتقدم العديد من الاضطرابات العصبية، مما يجعل استبدال الخلايا الدبقية الصغيرة استراتيجية علاجية واعدة".
يرى تشين وزملاؤه أن استبدال الخلايا الدبقية الصغيرة المتضررة يمكن أن يساعد في علاج مجموعة من الاضطرابات العصبية.
ومع ذلك، تعتمد الطرق التقليدية لتجديد الخلايا الدبقية الصغيرة على زراعة نخاع العظم ، والتي أثبتت صعوبتها وعدم فعاليتها.
علاوة على ذلك، تتطلب عمليات زرع نخاع العظم أنظمة علاجية صارمة تستخدم الإشعاع أو العلاج الكيميائي، وهو ما قد يؤدي إلى إتلاف الدماغ، كما أن الخلايا الدبقية الصغيرة الناتجة عن نخاع العظم المزروع ليست نسخًا طبق الأصل من الخلايا الأصلية، كما يقول تشين وزملاؤه.
تابع تشين قائلاً: "طرق زراعة نخاع العظم التقليدية لتجديد الخلايا الدبقية الصغيرة في الدماغ لها حدودها"، مشيرًا إلى أن المخاطر المرتبطة بهذه الطرق قد تفوق فوائدها أحيانًا. قد تشمل المشاكل انخفاض كفاءة الخلايا الدبقية الصغيرة واحتمالية إصابة الدماغ بسبب أنظمة العلاج المُسبق، مثل العلاج الإشعاعي أو الكيميائي.
وأضاف تشين: "زراعة نخاع العظم (زراعة الخلايا الجذعية المكونة للدم) هي طريقة علاج خلوي شائعة الاستخدام لأورام الدم الخبيثة، حيث تتطلب هذه العملية تهيئةً من خلال الإشعاع أو العلاج الكيميائي لإزالة نخاع عظم المتلقي، مما يخلق بيئةً مناسبةً لزراعة الخلايا الجذعية من المتبرع".
بما أن الخلايا المشتقة من نخاع العظم قادرة على استبدال الخلايا الدبقية الصغيرة جزئيًا في الدماغ، أوضح تشين في الدراسة أن محاولاتٍ بُذلت لعلاج بعض الحالات، مثل ضمور المادة البيضاء واضطرابات تخزين الليزوزومات، من خلال عمليات زرع نخاع العظم لتعزيز الخلايا الدبقية الصغيرة. إلا أن هذه الجهود لم تكن دائمًا ناجحة.
لتجنب الحاجة إلى العلاج الإشعاعي أو الكيميائي، طوّر تشين وزملاؤه نهجًا جديدًا يُسمى استنزاف الخلايا الدبقية الصغيرة ثلاثية الحلقات لزراعتها.
تضمن هذا النهج متعدد الجوانب استنزاف الخلايا الدبقية الصغيرة الأصلية غير الوظيفية، مما سمح لنسخ سليمة ومزروعة من هذه الخلايا بالازدهار في أدمغة فئران مُهجّنة لتطوير أمراض عصبية تنكسية بشرية محددة.
حُقنت الخلايا الدبقية الصغيرة في منطقتي القشرة والحُصين الدماغيتين لدى هذه الحيوانات.
اعتمدت استراتيجية العلاج على ثلاث دورات من مركب تجريبي، PLX3397، يثبط مستقبل CSF1R الموجود على سطح الخلايا المناعية المعروفة بالبلعميات.
يسمح تثبيط هذا المستقبل للخلايا الدبقية الصغيرة الجديدة بالتكاثر.
تُعرف الخلايا الدبقية الصغيرة أيضًا باسم البلاعم المقيمة، وهي تسكن الجهاز العصبي المركزي، وهي خلايا متخصصة للغاية في مكافحة العدوى والسرطان وغيرها من التهديدات التي قد تغزو الدماغ.
على عكس خلايا الدماغ الأخرى، فإن الخلايا الدبقية الصغيرة ذات أصل مكون للدم، أي أنها تنشأ من خلايا مُكَوِّنة للدم.
يقول تشين وزملاؤه إن زرعها مباشرةً في الدماغ قد يمنع ظهور الحالات الشاذة.
وفي الدراسة، تم زرع الخلايا الدبقية الصغيرة بشكل كافٍ في أدمغة نماذج الفئران واكتسبت خصائص مماثلة للخلايا الدبقية الصغيرة الموجودة لدى الحيوانات.
تشير تجارب إثبات المفهوم التي أُجريت على نماذج فئران مُؤنسنة إلى أن استبدال الخلايا الدبقية الصغيرة يُمكن أن يُخفف من الأمراض المرتبطة بخلل وظائفها.
استُخرجت الخلايا الدبقية الصغيرة المستخدمة في التجارب من فئران حديثة الولادة.
ووجد تشين وفريق من المتعاونين من مختلف أنحاء الصين أن عمليات الزرع التي تم إجراؤها قبل ظهور الأعراض، حلت محل الخلايا الدبقية الصغيرة المعيبة، وأبطأت من انحلال الخلايا العصبية في نماذج الفئران لكل من مرض الزهايمر ومرض ساندوف، وهو اضطراب عصبي تنكسي وراثي.
يدعو الفريق إلى إجراء المزيد من الأبحاث حول الآليات البيولوجية التي تُمكّن الخلايا الدبقية الصغيرة من التكوّن، كما يرغب العلماء في اختبار إمكانية استخدام الخلايا الجذعية متعددة القدرات المُستحثة من قِبَل الإنسان كمصدر ذي صلة سريرية أكبر بالخلايا الدبقية الصغيرة.
كتب تشين في الختام: "يجب تقييم سلامة وفعالية استنزاف الخلايا الدبقية الصغيرة ثلاثية الحلقات على المدى الطويل في عمليات الزرع تقييمًا شاملًا في النماذج ما قبل السريرية"، لكنه أقرّ بأن مستقبل منهجية الزرع يبدو مشرقًا. "على الرغم من أن نتائجنا واعدة، إلا أن هناك العديد من الأسئلة التي لا تزال بحاجة إلى إجابات في الدراسات المستقبلية.
وقال تشين: "تسلط نتائجنا الضوء على استنزاف الخلايا الدبقية الصغيرة ثلاثية الحلقات لاستراتيجية الزرع كنهج عملي ومبتكر وقابل للترجمة لعلاج مجموعة واسعة من الاضطرابات العصبية المرتبطة بخلل وظائف الخلايا الدبقية الصغيرة".

