الإثنين 20 يوليو 2026 الموافق 06 صفر 1448
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

الملوثات البيئية والجينات الوراثية.. رابط خفي للإصابة بمرض السكري

الجمعة 05/ديسمبر/2025 - 01:39 م
مرض السكري
مرض السكري


لا يزال داء السكري أحد أكثر الأمراض الأيضية انتشارًا وتعقيدًا على مستوى العالم، إذ يصيب حوالي 500 مليون شخص.

يتميز داء السكري بارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم، وينتج إما عن نقص إنتاج الأنسولين (داء السكري من النوع الأول) أو عن عدم قدرة الجسم على استخدامه بفعالية (داء السكري من النوع الثاني).

في حين أن عوامل نمط الحياة مثل سوء التغذية والافتقار إلى ممارسة التمارين الرياضية هي عوامل مساهمة راسخة، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الملوثات البيئية قد تلعب دورًا مهمًا، ولكن غالبًا ما يتم تجاهله، في ارتفاع حالات الإصابة بمرض السكري.

اكتشف فريق من الباحثين من جامعة قطر وجود صلة محتملة بين الملوثات البيئية والتغيرات الجينية ومرض السكري.

تستكشف الدراسة، التي نشرت في مجلة Biomolecules and Biomedicine، كيف يمكن للمواد الكيميائية البيئية الشائعة أن تعطل التعبير الجيني وتساهم في مقاومة الأنسولين، وهو عامل رئيسي في تطور مرض السكري من النوع الأول والثاني.

الملوثات البيئية وخطر الإصابة بالسكري

حددت الأبحاث مجموعة متنوعة من الملوثات، مثل الجسيمات الدقيقة والمعادن الثقيلة والملوثات العضوية الثابتة (POPs)، والتي توجد عادة في الهواء والماء ومصادر الغذاء.

بمجرد دخول هذه الملوثات إلى الجسم، تُنشّط مستقبل الهيدروكربون الأريل (AhR)، وهو بروتين يُنظّم إفراز الإنزيمات المسؤولة عن إزالة السموم. ويمكن أن يؤدي التنشيط المُطوّل لمسار AhR إلى الإجهاد التأكسدي والالتهابات واختلال استقلاب الجلوكوز، وهي جميعها عوامل تُساهم في ظهور مرض السكري.

بالإضافة إلى ذلك، تكشف الدراسة أن الملوثات قد تُسبب تغيرات جينية، أي تعديلات في التعبير الجيني دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.

وقد سُلِّط الضوء على 3 عمليات جينية رئيسية:

مثيلة الحمض النووي : يمكن للملوثات البيئية أن تسبب تغييرات في مثيلة الحمض النووي والتي قد تؤثر على تنظيم الأنسولين واستقلاب الجلوكوز.

تعديلات الهستون: تعمل الملوثات على تغيير الهستونات، وهي البروتينات التي تغلف الحمض النووي في الخلايا، مما قد يؤدي إلى مقاومة الأنسولين واختلال وظائف الخلايا بيتا.

تنظيم microRNA: قد تؤثر الاضطرابات في نشاط microRNA، الذي ينظم التعبير الجيني، على إفراز الأنسولين وامتصاص الجلوكوز.

تشير هذه النتائج إلى آلية تقوم من خلالها الملوثات البيئية "بإعادة برمجة" التعبير الجيني، مما قد يزيد من خطر الإصابة بمرض السكري بمرور الوقت.

تُمثل هذه الدراسة خطوةً مهمةً في أبحاث داء السكري، إذ تكشف عن مسارٍ جديدٍ محتملٍ يُمكن أن تزيد من خلاله التعرّضات البيئية من خطر الإصابة بالمرض.

وتُؤكد النتائج على الحاجة إلى فهمٍ أوسع لمسببات داء السكري، يشمل العوامل البيئية بالإضافة إلى نمط الحياة والعوامل الوراثية.

قالت الدكتورة تسنيم مطريد، المؤلفة الرئيسية والباحثة في جامعة قطر: "إن فهم كيفية تأثير الملوثات البيئية على التعبير الجيني وخطر الإصابة بمرض السكري أمر ضروري لتطوير استراتيجيات وقائية أكثر فعالية".

وأضافت: "يوفر عملنا رؤى حاسمة حول كيفية قيام الملوثات بإعادة برمجة العمليات الأيضية في الجسم، مما يوفر زاوية جديدة في فهمنا لمرض السكري".

رغم أن الدراسة واعدة، يُقرّ الباحثون بالحاجة إلى مزيد من البحث لفهم الآثار طويلة المدى للتعرضات البيئية على داء السكري فهمًا كاملًا، كما أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لاستكشاف الآليات الجزيئية والتفاعلات بين الملوثات، والتعبير الجيني، وعوامل الخطر الأخرى المرتبطة بداء السكري.

قال الدكتور زيد معايعة، المؤلف المشارك في الدراسة: "بدأنا للتو في فهم نطاق تأثير الملوثات البيئية على تنظيم الجينات، قد يؤدي هذا البحث إلى اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة للكشف المبكر عن مرض السكري، وتطوير علاجات أكثر استهدافًا له".

تتجاوز آثار هذا البحث حدود المختبر، فمن خلال تحديد دور الملوثات البيئية في تطور مرض السكري، تُمهّد الدراسة الطريق لتدخلات صحية عامة محتملة تهدف إلى الحد من التعرض للمواد الكيميائية الضارة.

يمكن لسياسات الصحة العامة التي تُنظّم الملوثات البيئية أن تلعب دورًا حاسمًا في تخفيف العبء العالمي لمرض السكري.

وأضافت الدكتورة حنان أبو ندى، الباحثة في مركز البحوث الطبية الحيوية بجامعة قطر: "نأمل أن تساهم نتائجنا في إثراء السياسات المستقبلية الرامية إلى حماية الصحة العامة من خلال تقليل التعرض للسموم البيئية".

وأكد فريق البحث أيضًا على أهمية الاستمرار في التحقيق في تقاطع العوامل الوراثية والعوامل البيئية، لأن هذا يمكن أن يؤدي إلى نهج أكثر تخصيصًا للوقاية من مرض السكري وعلاجه.