كيف يؤثر الجين على بنية الدماغ البشري؟
يدرس باحثون حول العالم كيفية تحقيق الدماغ البشري لتعقيده الاستثنائي، وقد استخدم فريق عضياتٍ لإثبات أن جين ARHGAP11A يلعب دورًا حاسمًا في نمو الدماغ.
في حال غياب هذا الجين، تُصبح العمليات الرئيسية المشاركة في انقسام الخلايا وبنيتها غير متوازنة.
يُميّزنا الدماغ البشري عن سائر الكائنات الحية أكثر من أي عضو آخر، فهو يُمكّننا من اللغة والتفكير المُجرّد والسلوك الاجتماعي المُعقّد والثقافة.
لكن كيف يُمكن لهذا العضو فائق القوة أن يتطور، وكيف يُضمن تكوّن الخلايا العصبية والخلايا الداعمة في الأماكن المُناسبة تمامًا لخلق هذا التعقيد في الدماغ البشري؟
قام فريق بقيادة الدكتورة جوليا لادفيج في المعهد المركزي للصحة العقلية (CIMH) في مانهايم والدكتور مايكل هايد في مركز الرئيسيات الألماني (DPZ) في جوتنجن بالتحقيق في هذه المسألة على المستوى الجزيئي.
وفي دراسة نشرت في مجلة Cell Reports، أظهر الباحثون أن جين ARHGAP11A يلعب دورًا رئيسيًا في تنظيم نمو الدماغ.

الدور المركزي لـARHGAP11A
تقع المنطقة البطينية في أعماق الدماغ النامي، ويمكن وصفها بأنها مستودع للخلايا الجذعية، حيث تُنتج الخلايا الجذعية المتخصصة فيها خلايا عصبية جديدة باستمرار.
لكي تعرف هذه الخلايا كيفية انقسامها، ومكان هجرتها، ومتى تتطور إلى خلايا عصبية، يجب عليها إعادة تشكيل هيكلها الداخلي، الهيكل الخلوي، باستمرار.
وقد اكتشف الباحثون الآن أن جين ARHGAP11A يلعب دورًا رئيسيًا في التحكم في هذه العمليات، إذ يضمن بقاء الخلايا الجذعية على اتجاهها أثناء انقسام الخلايا، واستقرار بنية المنطقة البطينية.
بدون ARHGAP11A، تفقد الخلايا الجذعية تنظيمها، وتنفصل عن الأنسجة مبكرًا، وتبدأ بالتحول إلى خلايا عصبية. يؤدي هذا إلى استنفاد مخزون الخلايا الجذعية بسرعة كبيرة.
نتيجةً لذلك، تُفقد أنواع خلايا مهمة لاحقًا، مثل الخلايا الداعمة، الضرورية لنضج الدماغ واستقراره.
يعمل بروتين ARHGAP11A كمفتاح جزيئي، فهو ينظم ما يُسمى بـ Rho GTPases ، وهي جزيئات صغيرة تتحكم في الهيكل الخلوي، وبالتالي تُحدد كيفية تشكل الخلايا وانقسامها وحركتها.
وبهذه الطريقة، يضمن ARHGAP11A احتفاظ الخلايا السلفية بشكلها وترتيبها الصحيح في المنطقة البطينية.
رؤىً حاسمة
لدراسة هذه الآليات بالتفصيل، استخدم الباحثون نماذج دماغية ، أي نماذج للدماغ البشري مزروعة من خلايا جذعية في المختبر. مكّنهم هذا من فهم كيفية تشكيل جين ARHGAP11A لبنية الخلية، وكيف يُسبب خلل هذه الآلية تشوهات.
ومن المثير للدهشة أن الباحثين تمكنوا من إظهار أن التثبيط الدوائي قصير المدى لمسارات الإشارة المفرطة النشاط يعكس التشوه جزئيًا.
يقول المؤلف الأول يانيك هاس، وهو باحث في معهد هيكتور لأبحاث الدماغ الانتقالية (HITBR) وفي المركز CIMH في مانهايم: "يظهر هذا أن هذه العملية التنموية للدماغ يمكن من حيث المبدأ التأثير عليها".
وتظهر الدراسة أن الدراسات التي أجريت على الفئران لا تستطيع أن تحاكي بشكل كامل تعقيد تطور الدماغ البشري.
لم يُرصد نفس التأثيرات في أنسجة الفئران بعد فقدان جين ARHGAP11A. وهذا يُبرز أهمية نماذج الأعضاء البشرية في الأبحاث الطبية الحيوية، كما يقول الدكتور ميشال هايد، رئيس مجموعة عمل تطور الدماغ ونموه في المركز الألماني للرئيسيات.
كما تؤكد الدكتورة جوليا لادويج، رئيسة مجموعة أبحاث أمراض الدماغ التنموية في المعهد الكندي للصحة العقلية، على أهمية هذا النهج قائلةً: "تتيح لنا عضيات الدماغ فرصة دراسة تطور الدماغ البشري بدقة غير مسبوقة، وهذا يسمح لنا بفهم خصائصه التطورية بشكل أفضل واكتساب رؤى جديدة حول اضطرابات النمو والأمراض النفسية".
على المدى البعيد، من المتوقع أن يُسهم البحث في فهم أفضل لعوامل الخطر الجينية لاضطرابات النمو العصبي.
وتشمل هذه العوامل صغر حجم الرأس، حيث يبقى الدماغ صغيرًا بشكل غير طبيعي، واختلاف موقع الخلايا العصبية، حيث تهاجر الخلايا العصبية إلى أماكن خاطئة أثناء نمو الدماغ.
ويمكن أن تشكل المعرفة المكتسبة الأساس لأساليب تشخيصية وعلاجية جديدة، وبالتالي المساهمة في تحسين العلاج لهذه الأمراض النادرة على المدى الطويل.

