دراسة تكشف أهمية التمارين الرياضية الخفيفة.. تعزز الوظائف التنفيذية وتحسن مزاج الأطفال
في مجتمعنا المعاصر، بات الخمول البدني وقلة الحركة من المشكلات الشائعة عالميًا، ويتزايد هذا التوجه بين الأطفال أيضًا، مما يثير مخاوف بشأن صحتهم النفسية والبدنية.
يؤثر الخمول البدني لدى الأطفال على نمو الوظائف التنفيذية، وهي عمليات معرفية عليا تُنظم السلوك الموجه نحو تحقيق الأهداف وضبط النفس، وهما عنصران أساسيان في الحياة اليومية.
تُشكل الوظائف التنفيذية القوية خلال مرحلة الطفولة أساسًا للتنظيم الذاتي والتفاعل الاجتماعي، والتحصيل الدراسي، والرفاهية النفسية طوال مرحلتي الطفولة والمراهقة.
الرياضة والتطور المعرفي لدى الأطفال
أظهرت دراسات سابقة أن التمارين الرياضية، سواءً كانت قصيرة أو طويلة الأمد، تُعزز الوظائف التنفيذية، وبينما تُعد التمارين الرياضية المنتظمة ضرورية للتطور المعرفي على المدى البعيد، فإن حتى فترات قصيرة من النشاط البدني تُقدم فوائد معرفية ونفسية فورية، وإن كانت قصيرة الأجل، تُسهم في تحسين كفاءة الأطفال في التعلم خلال اليوم الدراسي.
كما سلطت دراسات أخرى الضوء على أهمية التدخلات الرياضية قصيرة المدة، مثل التمارين الخفيفة، التي يُمكن ممارستها داخل الفصل الدراسي.
بينما تُظهر العديد من الدراسات أن التمارين الرياضية الخفيفة تُحسّن التحكم في الانفعالات (وهو عنصر أساسي في الوظائف التنفيذية) والمزاج لدى البالغين، إلا أن دراسات قليلة جدًا تناولت ما إذا كانت هذه الفوائد نفسها تحدث لدى الأطفال.
تفاصيل الدراسة
في دراسة حديثة، بحث فريق بحثي بقيادة طالب الدكتوراه تاكاشي نايتو من كلية الدراسات العليا لعلوم الرياضة بجامعة واسيدا في اليابان، ما إذا كانت التمارين الرياضية القصيرة والخفيفة تُحسّن الوظائف التنفيذية والمزاج النفسي لدى الأطفال.
أظهرت الدراسات أن أكثر من 80% من الأطفال حول العالم لا يلتزمون بالمستوى الموصى به من النشاط البدني من قِبل منظمة الصحة العالمية، وأن وقت جلوسهم قد ازداد بمقدار ساعة واحدة تقريبًا يوميًا خلال العقد الماضي.
شارك في الدراسة 31 طفلًا سليمًا من طلاب المدارس، تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عامًا. تأكد الباحثون من خلو جميع المشاركين من أي تاريخ مرضي لاضطرابات نفسية أو عصبية، أو قيود على ممارسة الرياضة مفروضة من قبل الطبيب، أو قصور في رؤية الألوان.

تم توزيع المشاركين عشوائيًا على مجموعتين: مجموعة ضابطة ومجموعة تجريبية. خلال التجربة، أكمل جميع المشاركين استبيانًا نفسيًا لتقييم حالتهم المزاجية، تلاه اختبار معرفي مرتين، قبل وبعد فترة راحة. استند الاستبيان النفسي لتقييم الحالة المزاجية إلى مقياس المزاج ثنائي الأبعاد، الذي يقيس درجات المتعة والإثارة.
أما بالنسبة للاختبار المعرفي، فقد تم تطبيق اختبار ستروب للكلمات والألوان (CWST) المعروف، والذي يقيس التحكم التثبيطي (ثلاثة أرباع)، والذي يُعرَّف بأنه القدرة على التحكم في الانتباه والأفكار والمشاعر لتجاوز الدوافع الداخلية أو المشتتات الخارجية، والقيام بدلًا من ذلك بفعل أكثر ملاءمة أو ضرورة.
بروتوكول التمرين والنتائج الرئيسية
خلال فترة الراحة، استراح المشاركون في المجموعة الضابطة لمدة 15 دقيقة. أما المشاركون في المجموعة التجريبية، فقد استراحوا لمدة 10 دقائق، ثم مارسوا تمرينًا خفيفًا لمدة 3.5 دقيقة، تلاه استراحة إضافية لمدة 1.5 دقيقة.
تضمن برنامج التمرين ست حركات سهلة الأداء، شملت تمارين التمدد الديناميكي، والتمدد الثابت مع دوران الجذع، وتمارين التوازن على ساق واحدة، وتمارين مهارة اليد، وكلها مرتبطة بتنشيط قشرة الفص الجبهي.
كما أجرى الباحثون قياسات لمعدل ضربات القلب أثناء التمرين للمجموعة التجريبية، وفحصوا تنشيط قشرة الفص الجبهي أثناء اختبار تصنيف الكلمات (CWST) للمجموعتين.
أظهر الأطفال الذين مارسوا التمارين الخفيفة انخفاضًا ملحوظًا في أوقات رد الفعل في المهمة الإدراكية التالية مقارنةً بالمجموعة الضابطة.
تُظهر النتائج أن دمج فترات قصيرة من التمارين الخفيفة في المدرسة، مثل قبل بدء الحصص أو خلال فترات الاستراحة، يُمكن أن يُحسّن التحكم في الانفعالات والمزاج لدى الأطفال، مما قد يُحسّن كفاءة التعلم.
والأهم من ذلك، أن هذه هي الدراسة الأولى عالميًا التي تُجرى على جميع الفئات العمرية لإثبات تحسن كل من الوظائف التنفيذية والمزاج باستخدام تمارين خفيفة، مدتها أقل من 5 دقائق.