هل تعيد كيمياء الدماغ تنشيط فيروس نقص المناعة البشرية؟
لا تزال عدوى فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) شائعة نسبيا، إذ يُقدَّر عدد المصابين بها حالياً بنحو 40 مليون شخص حول العالم.
يهاجم فيروس نقص المناعة البشرية جهاز المناعة في الجسم، مما يجعل المصابين به أكثر عرضة للإصابة بمجموعة واسعة من الأمراض المعدية.
على الرغم من عدم وجود علاج شافٍ لفيروس نقص المناعة البشرية حتى الآن، إلا أن هناك خيارات علاجية متعددة تُمكّن المرضى المصابين من عيش حياة طويلة وصحية.
عند العلاج بمضادات الفيروسات القهقرية، يبقى الفيروس في حالة كمون، مختبئًا داخل الخلايا ومُشكّلًا خزانًا للفيروس الخامل.
لكن في حال توقف العلاج، قد ينشط الفيروس مجددًا، مُسببًا نقصًا حادًا في المناعة.
أجرى باحثون مؤخرًا دراسةً حول كيفية تأثير الدماغ، ولا سيما الجزيئات الصغيرة والحزم البروتينية التي تفرزها الخلايا، على استمرار فيروس نقص المناعة البشرية.
وفي ورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة الطب النفسي الجزيئي ، قدموا نتائج جديدة تُلقي الضوء على الآليات الجزيئية التي قد تُعيد تنشيط فيروس نقص المناعة البشرية الكامن أو تُثبّطه.
وقال تشيوما م. أوكيوما وماهيش موهان، المؤلفان الرئيسيان المشاركان في الورقة البحثية، لموقع Medical Xpress: "لقد عمل فريقنا على الجسيمات خارج الخلية لعدة سنوات، وقد حققنا اكتشافات محورية حول تركيبها وأدوارها في صحة المضيف والمرض".

في إطار دراستهم، قام أوكيوما وموهان وزملاؤهما بجمع جزيئات خارج خلوية من أدمغة قرود المكاك، سواءً كانت غير مصابة أو مصابة بفيروس نقص المناعة القردي (SIV)، وهو فيروس يصيب الرئيسيات ويشبه فيروس نقص المناعة البشرية.
هذه الجزيئات عبارة عن جسيمات صغيرة محملة بجزيئات دقيقة تطلقها الخلايا في محيطها، وقد تكون محاطة بغشاء (أي حويصلات خارج خلوية أو EVs) أو غير محاطة بغشاء (مكثفات خارج خلوية أو ECs).
أوضح أوكيوما وموهان: "يُعدّ عزل الجسيمات خارج الخلوية تحديًا لعدم وجود طريقة عزل موحدة في هذا المجال. كما أن فصل الحويصلات خارج الخلوية عن الخلايا البطانية أكثر صعوبة نظرًا لتداخل خصائصها الفيزيائية والكيميائية، ولكنه مع ذلك ضروري للغاية لنسب الوظائف البيولوجية بشكل صحيح إلى نوع الجسيمات المناسب - سواء كانت حويصلات خارج خلوية أو خلايا بطانية."
لعزل الجسيمات النانوية بشكل فعال في أدمغة قرود المكاك، طور الباحثون طريقة جديدة تُعرف باسم كروماتوغرافيا السائل التنقية (PPLC).
وقد سمحت لهم هذه الطريقة بعزل الجسيمات بشكل أكثر موثوقية، مما قلل بشكل كبير، إن لم يكن قضى تمامًا، على المشاكل الإجرائية الشائعة.
قال أوكيوما وموهان: "استخدمنا تقنية الفصل اللوني السائل عالي الأداء (PPLC) لعزل الخلايا البطانية من أنسجة العقد القاعدية (جزء من الدماغ) لقرود الريسوس من ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى كانت قرودًا مصابة بفيروس نقص المناعة القردي المزمن وعولجت بمادة حاملة، المجموعة الثانية كانت قرودًا مصابة بفيروس نقص المناعة القردي المزمن وعولجت بمادة D9- THC . أما المجموعة الثالثة فكانت قرودًا غير مصابة وعولجت بمادة حاملة فقط".
قام الفريق بتخزين الخلايا البطانية التي جمعوها عند درجة حرارة -80 درجة مئوية، ثم استخدموها لإجراء تجارب وتحليلات مختلفة.
شملت هذه التجارب مجموعة أولى من الاختبارات التي هدفت إلى استكشاف وظائف الخلايا البطانية المعزولة، وجولة ثانية من التجارب لتقييم تأثير الجسيمات على الخلايا المضيفة.
قال الباحثون: "أجرينا في البداية تجارب على الخلايا لتقييم وظائف الخلايا الجذعية المكونة للدم. تمت معالجة الخلايا الليمفاوية المحيطية البشرية الأولية وخطوط خلوية مختلفة (TZM-GFP، وخلايا U937 المصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من النوع الأول (U1)، وJ-Lat GFP، وJ-Lat Tat-GFP، والخلايا الدبقية الصغيرة البشرية، وHuglia (HC69)، وCEMx174، وRaji، وAkata) بالخلايا الجذعية المكونة للدم، واستُخدمت لتقييم استجابات الخلايا المضيفة المختلفة".
لدراسة وظائف الخلايا السرطانية، استخدم الباحثون اختبارات معملية متنوعة لقياس جوانب مختلفة. وشملت هذه الاختبارات اختبارًا للتحقق مما إذا كانت الخلايا تمتص الخلايا السرطانية بالفعل، وتحليلات لتقييم ما إذا كانت هذه الخلايا تضر بالخلايا أو تقتلها، وفحصًا لاستكشاف ما إذا كانت الخلايا متعددة النوى الكبيرة (الخلايا العملاقة متعددة النوى) قد تشكلت، وهو ما يُعد علامة على أن فيروس نقص المناعة البشرية نشط وينتشر.
كما أجروا اختبارًا لقياس مدى كفاءة انتقال فيروس نقص المناعة البشرية من خلية إلى أخرى، مما يساعد في تحديد ما إذا كانت هذه الخلايا تساهم في نقل الفيروس. وأخيرًا، بحثوا فيما إذا كانت الخلايا الجذعية السرطانية تعيد تنشيط مستودعات الفيروس الكامنة في الخلايا المناعية المستخلصة من مرضى مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية.
وأضاف أوكيوما وموهان: "أجرينا بعد ذلك تجارب جزيئية لتقييم تأثيرات المركبات الكيميائية على الخلايا المضيفة على المستوى الجزيئي، وخضعت عينات الحمض النووي الريبوزي الكلي والبروتين الكلي والمستخلصات الخلوية المصفاة للاختبارات التالية: تحليل الإفرازات الخلوية باستخدام مصفوفة السيتوكينات/المقايسة المناعية، وقياس التدفق الخلوي، واختبار الإليزا، وتحليل ويسترن بلوت، والتفاعل التسلسلي الكمي للبوليميراز في الوقت الحقيقي (RT-qPCR)، وتسلسل الحمض النووي الريبوزي".
في هذه الجولة الثانية من الاختبارات، جمع الفريق مواد محددة من الخلايا التي كانت تستضيف الجسيمات الخلوية، وذلك لاستكشاف كيفية تأثير هذه الجسيمات على نشاط الجينات، وإنتاج البروتينات، والإشارات المناعية.
في النهاية، استخدم الباحثون أساليب إحصائية لتحليل جميع البيانات التي جمعوها، وتحديد خصائصها، واستخلاص رؤى قيّمة.
علاج فيروس نقص المناعة البشرية
وجد أوكيوما وموهان وزملاؤهما أن الخلايا الجذعية السرطانية المأخوذة من أدمغة قرود المكاك المصابة بفيروس نقص المناعة القردي (SIV) وغير المعالجة، تُعيد تنشيط مستودعات الفيروس الكامنة بقوة، مما يزيد من نشاط الجينات الفيروسية وإنتاج البروتينات، ويتسبب في انتشار الفيروس بين الخلايا. لكن المثير للاهتمام، أن الجسيمات المستخلصة من أدمغة قرود المكاك المصابة التي عولجت بالقنب، وُجد أنها تثبط إعادة تنشيط الفيروس.
قال الباحثون: "لقد ثبت أن القنبينويدات تثبط الالتهاب العصبي. وقد أظهرنا سابقًا أن القنبينويدات تُمارس تأثيرات مضادة للالتهاب مماثلة عبر الحويصلات خارج الخلوية، وفي الدراسة الحالية على الخلايا البطانية، نُفيد بأن الخلايا البطانية المعزولة من أدمغة (العقد القاعدية) قرود الريسوس لها هذا التأثير المضاد للالتهاب، وأن القنبينويدات تُعدّل محتويات الخلايا البطانية، مما يؤدي إلى تأثيرات على خزانات فيروس نقص المناعة البشرية الكامنة".
بشكل عام، تشير النتائج التي جمعها هؤلاء الباحثون إلى أن كيمياء الدماغ، وخاصة الخلايا البطانية، تلعب دورًا محوريًا في إعادة تنشيط فيروس نقص المناعة البشرية الكامن أو كبحه.
في المستقبل، قد يمهد عملهم الطريق لتطوير أدوية جديدة وتدخلات علاجية تهدف إلى تحسين إدارة عدوى فيروس نقص المناعة البشرية، أو ربما حتى علاجها.
وأضاف أوكيوما وموهان: "الآن وقد عرفنا أن الخلايا البطانية تنظم مستودعات فيروس نقص المناعة البشرية في الدماغ، فإننا نبحث في الآليات المتضمنة في هذه التأثيرات الملحوظة، كما أننا مهتمون بدور الخلايا البطانية في شيخوخة الدماغ والتنكس العصبي، بالإضافة إلى تطوير نظام يمكن من خلاله استخدام الخلايا البطانية كمنصة لإيصال الأدوية".

