الكشف عن الجذور الجزيئية لتندب الأنسجة في مرض التهاب الأمعاء
عندما يستمر الالتهاب في الجسم دون علاج، قد يُسبب التليف، أو تندب الأنسجة، مما قد يؤدي إلى خلل في وظائف الأعضاء أو حتى فشلها.
يحدث هذا في حالات مثل أمراض الأمعاء الالتهابية (التهاب القولون التقرحي وداء كرون)، والعدوى الفيروسية المزمنة، والتليف الرئوي الخلالي، وأمراض الجلد المناعية الذاتية المزمنة مثل تصلب الجلد، والندوب المرتبطة بأمراض القلب.
لا يملك المرضى سوى خيارات علاجية محدودة للتليف، لكن الأبحاث الحديثة تُشير إلى مسار جزيئي قد يفتح آفاقًا جديدة للعلاج في المستقبل.
في دراسة سابقة، اكتشف فريق بحثي بقيادة باحثين من معهد برود ومستشفى ماساتشوستس العام بريجهام نوعًا خلويًا رئيسيًا مسؤولًا عن التليف في مرض التهاب الأمعاء.
الآن، في دراسة جديدة نُشرت في مجلة نيتشر، وصف الفريق التفاعل بين هذا النوع من الخلايا وأنواع أخرى من الخلايا التي تؤدي إلى التليف.
تشير دراستهم أيضًا إلى جزيء يُدعى GLIS3، يُنظّم هذا التواصل بين الخلايا، ولم يسبق ربطه بمرض التهاب الأمعاء.
وتُشير النتائج إلى أن تعطيل هذا المسار الخلوي قد يُساعد يومًا ما في منع أو تقليل التليف لدى مرضى التهاب الأمعاء أو غيره من الأمراض التي تتسم بالتهاب مزمن، مثل أمراض الرئة.
قال رامنيك خافيير، المؤلف المشارك الرئيسي للدراسة: "أينما نرى التهابًا مزمنًا، يُعد التليف مشكلة رئيسية، لا توجد علاجات أو أدوية لمعالجة التليف بشكل مباشر، لذا هناك مجال واسع لإحراز تقدم وتحسين صحة المرضى الذين يعانون من أمراض التهابية مزمنة".

التداخل بين الخلايا
عمل العلماء في مختبر زافيير لسنوات على كشف جذور الاستجابات الالتهابية المرضية لدى مرضى التهاب الأمعاء، مستعينين بدراسات جينية واسعة النطاق وتجارب مخبرية.
وقد اكتشفوا سابقًا نوعًا من الخلايا يُسمى الخلايا الليفية المرتبطة بالالتهاب، والتي تُعدّ مهمة في التهاب الأمعاء، لكنهم لم يفهموا تمامًا كيف تؤدي إلى تلف الأنسجة.
وقال المؤلف المشارك الرئيسي للدراسة دانيال جراهام: "كلما تعلمنا المزيد عن عملية الالتهاب، كلما بدأنا نقدر أدوار أنواع الخلايا غير المناعية في هذه الأمراض، وخاصة التواصل بين الخلايا المناعية والخلايا الهيكلية في الأنسجة مثل الخلايا الليفية".
في الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تقنيات تحليل الخلايا المفردة والتحليل المكاني لرسم خرائط الخلايا الفردية في عينات معوية من مرضى التهاب الأمعاء، وتتبعوا الخلايا الليفية المرتبطة بالالتهاب في العينات، وفحصوا الخلايا المجاورة لها، ووجدوا أن الخلايا الليفية لدى المرضى غالباً ما تتواجد مع البلاعم الالتهابية، وهي نوع من الخلايا المناعية.
يبدو أن هذه الخلايا الليفية تُنتج بروتيناً يُسمى IL-11 ، والذي يُساعد على تكوين نسيج ندبي.
من خلال تحليل التعبير الجيني والتجارب المخبرية، توصل الباحثون إلى أن الخلايا الليفية تُنتج إنترلوكين-11 استجابةً لمادتين، هما عامل النمو المحول بيتا (TGF-beta) وإنترلوكين-1 (IL-1)، اللتين تُنتجهما الخلايا البلعمية المجاورة.
بعد ذلك، أجرى قائد المشروع، فلاد بوكاتايف، فحصًا بتقنية كريسبر لاختبار الجينات الضرورية لإنتاج الخلايا الليفية لإنترلوكين-11، واكتشف أن GLIS3، وهو عامل نسخ معروف بدوره في إنتاج الأنسولين وتنظيم هرمون الغدة الدرقية، يُعد منظمًا رئيسيًا للتواصل بين الخلايا البلعمية والخلايا الليفية الذي يؤدي إلى التليف.
أظهرت اختبارات إضافية أن الحيوانات التي تفتقر إلى جين GLIS3 لا تُصاب بالتليف بعد التهاب الأمعاء.
كما وجد العلماء نشاطًا أكبر لجين GLIS3 لدى المرضى الذين يعانون من حالات أكثر حدة، مما يُعزز الأدلة على دوره في التليف.
تشير هذه النتائج إلى أن هذه الشبكة من الخلايا ومسار GLIS3 قد يمثلان هدفين واعدين لتطوير علاجات جديدة. كما تشير إلى أن الجزيئات الصغيرة والمستحضرات البيولوجية التي تخضع حاليًا للتطوير السريري والتي تهدف إلى تحييد IL-11 قد يكون لها دور محتمل في علاج داء الأمعاء الالتهابي.
يقول الفريق إن هذه الأدوية وغيرها التي تستهدف هذا المسار يمكن استخدامها بالإضافة إلى العلاجات الحالية لداء الأمعاء الالتهابي، لعلاج كل من الالتهاب ومضاعفاته مثل التليف.

