الإثنين 20 يوليو 2026 الموافق 06 صفر 1448
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

كيف تؤثر مستقبلات هرمون التوتر على الدماغ والسلوك؟

الإثنين 12/يناير/2026 - 01:23 م
هرمون التوتر
هرمون التوتر


يُعدّ الإجهاد، وهو استجابة الجسم الطبيعية لمختلف أنواع التحديات والمشاكل اليومية، حالةً غير ضارة بطبيعتها يمرّ بها معظم الناس حول العالم.

وبينما يُعدّ الإجهاد قصير الأمد تجربةً شائعة، بل وقد يكون مفيدًا في بعض الأحيان، إلا أن الاستجابات الحادة أو المطوّلة للإجهاد معروفة بارتباطها بالعديد من الاضطرابات النفسية والعصبية، بما في ذلك الاكتئاب واضطرابات القلق.

الكورتيزول

يُعد الكورتيزول، وهو هرمون تفرزه الغدد الكظرية وينظم العديد من العمليات الفيزيولوجية، عاملاً رئيسياً في استجابات الإجهاد لدى البشر ومعظم الفقاريات الأخرى.

يرتبط هذا الهرمون ببروتينين في الدماغ يُعرفان بمستقبلات المعادن القشرية (MR) ومستقبلات الجلوكوكورتيكويد (GR)، واللذان يعملان عادةً في أزواج، مُشكلين وحدات تُعرف باسم الثنائيات.

يمكن أن تتكون الثنائيات من مستقبلين متطابقين (أي ثنائيات متجانسة) أو من مستقبل معدني واحد ومستقبل غلوكوكورتيكويد واحد (أي ثنائيات غير متجانسة).

على الرغم من أن علماء الأعصاب قد لاحظوا الثنائيات غير المتجانسة في الماضي، إلا أن مساهمتها المحتملة في التغيرات السلوكية والدماغية المرتبطة بالتوتر لا تزال غير مفهومة بشكل كافٍ حتى الآن.

أجرى باحثون في جامعة ليدن في هولندا مؤخراً دراسة تهدف إلى إلقاء ضوء جديد على كيفية تأثير ثنائيات MR/GR غير المتجانسة على كل من سلوك ودماغ أسماك الزيبرا التي تتعرض للإجهاد.

تشير نتائجهم، التي نُشرت في مجلة الطب النفسي الجزيئي ، إلى أن تكوين ثنائيات تتكون من مستقبل MR واحد ومستقبل GR واحد يؤدي إلى تغييرات في وظائف الدماغ والسلوك عند التعرض للإجهاد في أسماك الزيبرا، وربما أيضًا في الفقاريات الأخرى.

وقال مارسيل جيه إم شاف، المؤلف الرئيسي للورقة البحثية، لموقع Medical Xpress: "اكتشفت، باستخدام يرقات سمك الزيبرا من سلالات معدلة وراثيًا لحذف جينات مستقبلات المينيرالوكورتيكويد (MR) ومستقبلات الجلوكوكورتيكويد ( GR)، أن كلا من مستقبلات المينيرالوكورتيكويد ومستقبلات الجلوكوكورتيكويد ضروريان لبعض التغيرات السلوكية التي يسببها الكورتيزول".

تأثيرات الإجهاد على الدماغ

في إطار دراستهما، ابتكر فاوغت وشاف نسخًا معدلة وراثيًا من مستقبلات هرمون التوتر، بحيث لا يمكنها تكوين سوى ثنائيات متجانسة أو غير متجانسة.

وقد مكّنهما ذلك من هندسة أسماك الزيبرا وراثيًا بمجموعات محددة من مستقبلات المعادن القشرية (MR) ومستقبلات الجلوكوكورتيكويد (GR)، ثم دراسة كيفية تأثير هذه المجموعات على سلوكها وعمليات دماغها أثناء تعرضها للتوتر.

تُعدّ أسماك الزيبرا من الكائنات التي يدرسها علماء الأعصاب بكثرة، لأنّ مراقبة أدمغتها وسلوكها أمرٌ سهلٌ نسبيًا.

إضافةً إلى ذلك، يمكن تعديلها وراثيًا لمراقبة عمليات دماغية محددة أو استكشاف دور مستقبلات معينة بمعزل عن غيرها.

أوضح شاف: "لقد تمكنا من توليد تركيبات من مستقبلات المينيرالوكورتيكويد ومستقبلات الجلوكوكورتيكويد المتحولة التي تعاني من نقص في تكوين ثنائيات متجانسة أو غير متجانسة".

وأضاف: "يمكننا التعبير عن هذه المستقبلات في يرقات سمك الزيبرا ودراسة تأثير الكورتيزول على سلوكها".

ومن المثير للاهتمام أن الباحثين وجدوا أن الكورتيزول لم يُغير سلوك سمكة الزيبرا إلا عندما شكلت مستقبلات MR وGR ثنائيات غير متجانسة.

ويبدو أن هذه الأزواج من المستقبلات المختلفة تتحكم في الجينات التي تُمكّن التواصل بين أجزاء مختلفة من الدماغ عبر الناقل العصبي المُثير، الجلوتامات.

وقال شاف: "لقد أظهرنا أن التأثير الناجم عن الكورتيزول على السلوك كان يعتمد على تكوين ثنائيات غير متجانسة، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إثبات الأهمية الفسيولوجية لهذه الثنائيات غير المتجانسة في نظام حيوي".

وأضاف: "علاوة على ذلك، وجدنا أن ثنائيات MR/GR غير المتجانسة تعمل على وجه التحديد على تعديل نسخ الجينات المشاركة في نظام الجلوتامات، والذي بدوره يؤثر على أنظمة الناقلات العصبية الأخرى مثل أنظمة GABAergic و serotonergic".

تعميق فهم اضطرابات الصحة العقلية

تقدم نتائج هذه الدراسة الحديثة رؤى جديدة حول العمليات البيولوجية التي قد يساهم الإجهاد من خلالها في بعض اضطرابات الصحة العقلية، وخاصة اضطرابات القلق.

والجدير بالذكر أن الفريق أظهر أيضًا أن تعطيل جين معين يقوم بتشفير مستقبلات الغلوتامات المحددة يمنع التغير الناجم عن الإجهاد في سلوك سمكة الزيبرا.

إذا تم التحقق من صحة هذه النتائج في الفقاريات الأخرى وفي النهاية في البشر، فإن ملاحظات الفريق يمكن أن تحسن الفهم الحالي لكيفية تسبب الإجهاد في تطور بعض الاضطرابات النفسية أو تفاقم الأعراض المرتبطة بها.

في المستقبل، قد تساعد هذه التقنيات أيضًا في ابتكار علاجات بديلة لاضطرابات محددة تستهدف نظائر بشرية لمسارات إشارات الإجهاد التي حددها الباحثون.

وأضاف شاف: "قد تفسر نتائجنا بعض التأثيرات السلوكية الناجمة عن الإجهاد (مثل السلوك الشبيه بالقلق)، وبالتالي قد تكون مفيدة في تطوير علاجات ضد الاضطرابات العقلية المرتبطة بالإجهاد".

وتابع: "نرغب الآن في استكشاف ثلاثة اتجاهات بحثية متميزة. أولاً، نخطط لدراسة التأثيرات اللاحقة لتنشيط ثنائي الوحدات غير المتجانسة MR/GR في الدماغ بشكل أعمق، كما نرغب في دراسة دور ثنائيات الوحدات غير المتجانسة في أنظمة أخرى (مثل الجهاز المناعي)، ومعرفة ما إذا كانت مستقبلات الستيرويد الأخرى (مثل AR) تُشكّل ثنائيات وحدات غير متجانسة مماثلة".