علاج السكتة الدماغية بـ بالخلايا الجذعية
تتعافى بعض أجزاء أجسامنا من الإصابات بسرعة نسبية، فالطبقة الخارجية الواقية للعين، والتي تُسمى القرنية، يمكن أن تلتئم من الخدوش الطفيفة في غضون يوم واحد.
أما الدماغ، فليس من بين هذه الأنسجة أو الأعضاء سريعة الالتئام.
فخلايا دماغ البالغين مستقرة وتدوم مدى الحياة ما لم تتعرض لصدمة أو مرض، بينما بعض الخلايا المبطنة لأمعائنا لا تدوم سوى خمسة أيام، ويجب استبدالها باستمرار.
يرغب العلماء والأطباء في استخدام العلاج بالخلايا الجذعية لتعزيز قدرة الدماغ على تجديد الأنسجة المتضررة نتيجة الارتجاج أو السكتة الدماغية.
حتى الآن، واجهت هذه العلاجات عقباتٍ تتمثل في التغيرات التي تطرأ على الدماغ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى صعوبات دمج الخلايا المُجددة في دوائر الدماغ الموجودة لاستعادة وظائف مثل الذاكرة أو المهارات الحركية.
نشر علماء من معهد سانفورد بورنهام بريبيس للاكتشافات الطبية وكلية الطب بجامعة ديوك الوطنية في سنغافورة (NUS) نتائج في مجلة Cell Stem Cell من اختبار علاج مشتق من الخلايا الجذعية البشرية.
عند زرع الخلايا في الفئران، نضجت واندمجت في الدوائر العصبية الموجودة واستعادت وظيفتها. ومن خلال تتبع الخلايا وتسلسل أنماط التعبير الجيني، كشف الباحثون أيضًا كيف تجد الخلايا المزروعة وجهتها وتُكوّن روابط مع الجهاز العصبي.
تجديد الدماغ بعد السكتة الدماغية
يتمثل التحدي الأول الذي يواجه العلاجات الواعدة في مجال الطب التجديدي للسكتة الدماغية وغيرها من أشكال تلف الدماغ في غياب بيئة داعمة.
فبينما يُعد الدماغ النامي بيئةً مثاليةً ومحفزةً للخلايا الجذعية التي تُشكل الخلايا العصبية وتُكوّن دوائر الجهاز العصبي، فإن الخلايا العلاجية التي تصل بعد السكتة الدماغية تجد بيئةً معاديةً أكثر من كونها بيئةً داعمةً.
"في دماغ البالغين بعد السكتة الدماغية، ترى تكوين كيس، وهو تجويف مليء بجميع أنواع الجزيئات الالتهابية، لذا فهو يشبه إلى حد ما الخلايا العلاجية التي تسبح في مستنقع خطير مليء بالتهديدات"، هذا ما قالته سو-تشون تشانج.
وأضافت: "إن لم يكن ذلك كافيا، فإن النسيج الندبي يحيط بالتجويف لحماية الدماغ من المزيد من الضرر، ولكنه يشكل أيضاً حاجزاً ضد أي تجديد محتمل".
يحاول بعض خبراء العلاج الخلوي زرع خلايا جديدة بجوار المنطقة المتضررة من الدماغ، حيث يسهل على الخلايا الجديدة البقاء والنمو، والهدف هو إعادة بناء الدوائر العصبية في نهاية المطاف بتجاوز المنطقة المتضررة. ويرى تشانغ أن هذه الصدمة تحتاج إلى معالجة جذرية بدلاً من تجاهلها للوصول إلى الفوائد المحتملة للطب التجديدي.
وقالت تشون تشانج: "بعد الإصابة بالسكتة الدماغية، غالباً ما تكون الآفة المتضررة كبيرة جداً وتشكل تحدياً هائلاً للجهود المبذولة لإعادة ربط الدماغ بجذع الدماغ والحبل الشوكي وظيفيا".

دعم الخلايا المزروعة
سعت تشانج وفريقها البحثي إلى سدّ هذه الفجوة من خلال تطوير طريقة لدعم بقاء الخلايا العلاجية المزروعة مباشرةً في البيئة القاسية لتجويف السكتة الدماغية.
وباستخدام مزيج من الأدوية الجزيئية الصغيرة والبروتينات الهيكلية، وجد العلماء أن الخلايا المزروعة نجحت في البقاء والنمو لملء المنطقة المتضررة.
"بمجرد أن تتمكن الخلايا المزروعة من البقاء على قيد الحياة وتصبح خلايا عصبية، بدأنا نتساءل عما إذا كان بإمكان تلك الخلايا العصبية اختراق النسيج الندبي وتنمية أعصاب وظيفية عن طريق إنشاء روابط جديدة وإعادة بناء الدوائر المعطلة"، كما قالت تشانج.
رغم أن الباحثين أثبتوا إمكانية زرع الخلايا وتنمية خلايا عصبية جديدة، إلا أنهم أدركوا أن ذلك لن يكون ذا فائدة تُذكر إن لم تُشكّل هذه الخلايا الروابط الصحيحة. فهل كانوا يعيدون بناء جسورٍ هُدمت، أم يُنشئون جسورًا جديدة لا تؤدي إلى أي مكان؟
وقالت تشانج: "لقد وجدنا أن أنواعًا مختلفة من الخلايا العصبية المزروعة تجد شركاءها حتى في السياق المعقد لبيئة الدماغ الناضج".
وأضافت: "لا يزال بإمكانها العثور على أهدافها بطريقة محددة للغاية".
بعد إجراء إعادة بناء ثلاثية الأبعاد للخلايا العصبية المزروعة، لاحظ العلماء أن أنماط الإسقاطات الطويلة والشوكية التي تستخدمها الخلايا العصبية لتشكيل روابط في الجهاز العصبي تشبه الأنماط التي شوهدت في الخلايا العصبية الطبيعية التي تملأ المسار بين القشرة المخية والحبل الشوكي.
بعد ذلك، سعى العلماء إلى فهم قدرات التوجيه لهذه الخلايا العصبية المتجددة بشكل أفضل. استخدموا رمزًا جينيًا لتحديد وتتبع الخلايا المزروعة. جُمعت هذه البيانات مع نتائج تسلسل التعبير الجيني للخلايا المزروعة.
وقالت تشانج: "لقد كشفنا أن لكل نوع من أنواع الخلايا شفرته الخاصة، وبمجرد أن تصبح الخلايا خلايا عصبية، فإن هذه الشفرة تخبر كل خلية بإرسال إسقاطاتها أو محاورها إلى أجزاء مختلفة من الدماغ والحبل الشوكي".
وأضافت: "إنها المرة الأولى التي يتم فيها الإبلاغ عن هذه الظاهرة اللافتة للنظر، وهي ذات أهمية بالغة لأنها تخبرنا بشكل أساسي أنه إذا كانت لدينا الأنواع المناسبة من الخلايا المزروعة، فإنها تعرف بالفعل إلى أين تذهب وماذا تفعل لإصلاح ما فُقد".
استخدم العلماء تقنيات التعلم الآلي لتحديد أربعة أنواع فرعية من الخلايا العصبية التي تتطور من الخلايا العلاجية المزروعة.
يتميز كل نوع فرعي بتعبير مميز للجينات المعروفة بتوجيه نمو المحاور العصبية، مما يفسر سبب إرسال معظم الخلايا العصبية من نوع فرعي معين محاور عصبية لتشكيل دوائر مع نفس منطقة الدماغ.
كما أكد فريق البحث كيف تتأثر أنماط إسقاط المحاور العصبية ببروتينات عوامل النسخ التي تُعدّل التعبير الجيني.
وقد اختبروا خلايا جذعية مُعدّلة بدون عامل نسخ يُسمى Ctip2. وقد اختلفت أنماط إسقاط هذه الخلايا المزروعة اختلافًا كبيرًا عن تلك التي تحتوي على هذا العامل، حيث سعت محاور عصبية أكثر إلى تكوين روابط مع الحصين واللوزة الدماغية.
وقالت تشانج: "من خلال معرفة المزيد عن هذه الأنواع الفرعية من الخلايا العصبية المزروعة، قد نتمكن من التنبؤ بإسقاطاتها واتصالاتها من أجل اختيار أنواع الخلايا العصبية المناسبة لإعادة بناء الدوائر المستهدفة لدى المرضى".
وأضافت: "يفتح هذا مستقبلاً واعداً للعلاج الخلوي لمساعدة ملايين الأشخاص الذين يعانون من السكتة الدماغية وغيرها من الحالات العصبية المدمرة".

