اكتشاف جديد بخصوص مقاومة سرطان البنكرياس للعلاج
أظهرت دراسة جديدة أن خصائص البيئة المحيطة بخلايا سرطان البنكرياس تحدد ما إذا كانت تنمو بسرعة أم تصبح مقاومة للعلاج الكيميائي.
ويقول مؤلفو الدراسة إن قدرة هذه الخلايا السرطانية على التكيف السريع والتنقل بين الاستجابات البيولوجية المختلفة تجعلها أكثر عرضة للبقاء على قيد الحياة وأصعب علاجاً.
كشفت دراسة أجراها باحثون من مركز لانغون الصحي بجامعة نيويورك عن جانب جديد لكيفية تنظيم خلايا سرطان البنكرياس لمستويات الالتهام الذاتي، وهي عملية "التغذية الذاتية" التي تقوم فيها الخلايا بتفكيك مكوناتها إلى مغذيات للبقاء على قيد الحياة.
عند تنشيط هذه العملية، تركز الخلايا السرطانية على البقاء بدلاً من الانقسام والتكاثر، مما يحميها من العلاجات الكيميائية المصممة لمهاجمة الخلايا سريعة الانقسام.
أما عند انخفاض مستوى الالتهام الذاتي، تتكاثر الخلايا بشكل أسرع.
نُشرت الدراسة الجديدة على الإنترنت في مجلة Cell، وتُظهر أن العامل الرئيسي الذي يحدد ما إذا كانت خلايا سرطان البنكرياس تزيد من مستويات الالتهام الذاتي هو قدرتها على اكتشاف المصفوفة خارج الخلية (ECM)، وهي الألياف التي تحيط بالخلايا السرطانية في الورم، والتي تسبب نتائج أسوأ للمرضى.
يقول الباحثون إن الخلايا الطبيعية والخلايا السرطانية تنمو بشكل أفضل عندما ترتبط بنسيج خارج خلوي محدد وموجه، أما الخلايا السرطانية غير المرتبطة التي تفشل في اكتشاف هذا النسيج، فتزيد من مستويات الالتهام الذاتي لديها.
"تشير نتائجنا إلى أن استشعار الخلايا السرطانية البنكرياسية للمصفوفة خارج الخلوية يمكّنها من التبديل بين حالات النمو النشط والبقاء الذاتي"، كما قال المؤلف الأول للدراسة محمد عاصي.
على وجه التحديد، وجد الفريق أن الخلايا السرطانية تكتشف بروتينات هيكلية معينة للمصفوفة خارج الخلوية، مثل اللامينين، من خلال بروتين على أسطحها يسمى الوحدة الفرعية α3 من الإنتغرين (integrinα3).

فرض التماثل
في هذه الدراسة، قام فريق البحث بتنمية تجمعات من خلايا سرطان البنكرياس في كريات ثلاثية الأبعاد مغمورة في مواد هلامية تحاكي طريقة نمو الأورام في الجسم.
وباستخدام بروتين فلوري، تتبع الباحثون الخلايا ذات مستويات الالتهام الذاتي المرتفعة والمنخفضة.
وجد الفريق أن مستويات الالتهام الذاتي في خلايا سرطان البنكرياس، والتي كان من المعروف تاريخياً أنها تخضع للتنظيم عن طريق توافر العناصر الغذائية، يمكن تنظيمها أيضاً عن طريق استشعار التغيرات المحلية المتعلقة بنوع أو بنية المصفوفة خارج الخلوية.
في أورام البنكرياس، وجد الباحثون أن بُعد الخلايا السرطانية عن المصفوفة خارج الخلوية يُنشئ مجموعتين متميزتين من الخلايا في الورم نفسه.
إحدى المجموعتين تستشعر المصفوفة خارج الخلوية، ولذا تتميز بانخفاض مستويات الالتهام الذاتي وارتفاع معدل النمو. أما المجموعة الثانية، الأبعد عن المصفوفة خارج الخلوية، فتتميز بارتفاع مستويات الالتهام الذاتي، ما يجعلها أكثر قدرة على مقاومة العلاج الكيميائي. ويؤكد الباحثون أن هذا يجعل من المستبعد جدًا أن يتمكن دواء واحد من استهداف معظم الخلايا السرطانية في ورم البنكرياس بنجاح.
وفي هذا السياق، حقق دواء هيدروكسي كلوروكين، وهو الدواء الوحيد المعتمد من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لتثبيط الالتهام الذاتي لدى المرضى، نجاحًا محدودًا كعلاج وحيد.
ويعزو الباحثون ذلك على الأرجح إلى أن كميات ضئيلة منه فقط تصل إلى الأورام، ولأن ليس كل الخلايا السرطانية تكون في حالة نشاط عالٍ للالتهام الذاتي.
بهدف تطوير علاجات مستقبلية، قام الباحث بتثبيط جين الإنتغرين ألفا 3 وراثيًا في مزارع الخلايا الكروية، مما أجبر جميع الخلايا السرطانية تقريبًا على الدخول في حالة الالتهام الذاتي المكثف.
وقد جعل هذا التثبيط دواء هيدروكسي كلوروكين، الذي يُثبط الالتهام الذاتي، أكثر فعالية في قتلها.
في الواقع، أدى تثبيط الإنتغرين ألفا 3 إلى انخفاض معدل بقاء الخلايا السرطانية بنسبة 50% مقارنةً باستخدام هيدروكسي كلوروكين وحده.
في مجموعة أخرى من التجارب، قام الباحثون بتعديل خلايا سرطانية وراثيًا لتفتقر إلى بروتين NF2، الذي ينقل الإشارة داخل الخلية السرطانية عند تغير نشاط الإنتغرين α3.
يعيق NF2 إشارة الإنتغرين α3، لذا فإن تعطيله يقلل بشكل كبير من عملية الالتهام الذاتي في الخلية.
والأهم من ذلك، أنه يفعل ذلك عن طريق إبطاء وظيفة تراكيب خلوية تُسمى الليزوزومات، والتي تُعد ضرورية لعملية الالتهام الذاتي، بالإضافة إلى مسارات البقاء الأخرى التي تستخدمها الخلايا السرطانية.
وقد أدى تعطيل NF2 إلى تثبيط الالتهام الذاتي والليزوزومات بشكل كبير إلى تقليل نمو ورم البنكرياس وتحفيز موت الخلايا السرطانية.
يقول الباحثون إن الاستراتيجيات الحالية المصممة لكبح الالتهام الذاتي فعالة لفترة قصيرة، لكنها تفشل بعد ذلك مع تكيف الخلايا السرطانية.
ويشيرون إلى أن نتائجهم توحي بأن استهداف كل من تنظيم مستويات الالتهام الذاتي بواسطة المصفوفة خارج الخلوية ووظيفة الليزوزومات قد يوفر استجابات مضادة للأورام طويلة الأمد.

