الأحد 19 يوليو 2026 الموافق 05 صفر 1448
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

التوتر والإدمان.. بحث جديد يكشف الرابط بينهما

الأربعاء 01/أبريل/2026 - 03:43 م
التوتر
التوتر


لماذا تدفع لحظات التوتر الناس في كثير من الأحيان إلى عادات مثل شرب الكحول؟ تقدم دراسة  أحد أوضح الإجابات حتى الآن، إذ تحدد صلة مباشرة داخل الدماغ تربط التوتر بالسلوكيات المرتبطة بالإدمان.

وتُظهر الدراسة كيف يُعطّل الكحول نظام الاستجابة الطبيعية للتوتر، مما يُصعّب على الدماغ التكيف أو اتخاذ قرارات سليمة.

نشر الفريق، بقيادة الدكتور جون وانغ، الأستاذ في قسم علم الأعصاب والعلاجات التجريبية في كلية ناريش ك. فاشيشت للطب، النتائج في مجلة eLife.

التوتر واتخاذ القرارات

وجد الباحثون مسارًا يربط مراكز التوتر في الدماغ بالمنطقة المسؤولة عن العادات واتخاذ القرارات. تشمل مراكز التوتر منطقتين صغيرتين في عمق الدماغ تُسميان اللوزة الدماغية المركزية (CeA) ونواة سرير الشريط الانتهائي (BNST)، وهما منطقتان تتفاعلان عندما نشعر بالإرهاق أو القلق أو التهديد.

وقال وانغ، المؤلف الرئيسي للدراسة: "ما حددناه هو خط اتصال مباشر بين مراكز التوتر في الدماغ والمنطقة التي تحكم العادات والأفعال، وهو اتصال لم يكن مفهوماً جيداً من قبل".

وأضاف: "إن رؤية إشارات التوتر تنتقل مباشرة إلى نظام صنع القرار هذا تعطينا صورة أوضح عن سبب قدرة التجارب المجهدة على التأثير بقوة على السلوك، وأحيانًا بطرق تصبح غير صحية".

ترسل مراكز التوتر هذه إشارات باستخدام مادة كيميائية تُسمى عامل إطلاق الكورتيكوتروبين ( CRF ). يُعدّ CRF إشارة التوتر الرئيسية في الدماغ، حيث يُفرز لمساعدة الجسم والدماغ على الاستجابة أثناء المواقف الصعبة.

حتى الآن، لم يكن العلماء يعرفون كيف يصل هرمون الكورتيكوتروبين (CRF) إلى الجسم المخطط الظهري، وهو الجزء من الدماغ الذي يساعد في التحكم في أفعالنا، وخاصة عاداتنا.

تُظهر الدراسة الجديدة أن الخلايا المُفرزة لهرمون الكورتيكوتروبين في مراكز التوتر تُرسل خطوط اتصال مباشرة إلى الجسم المخطط الظهري.

يصل هرمون الكورتيكوتروبين (CRF) إلى خلايا داخل الجسم المخطط الظهري تُسمى الخلايا العصبية البينية الكولينية (CINs).

هذه خلايا متخصصة تعمل كمنظمات لحركة المرور في الدماغ، حيث تساعد في تحديد ما إذا كنا نحافظ على مرونتنا ونُعدّل سلوكنا أم ننزلق إلى عادات تلقائية.

عندما قام الباحثون بتطبيق هرمون إطلاق الكورتيكوتروبين (CRF) على هذه الخلايا، أصبحت الخلايا أكثر نشاطًا. كما عزز هذا النشاط المتزايد إفراز الأستيل كولين، وهو مادة كيميائية طبيعية في الدماغ تدعم التعلم واتخاذ القرارات والقدرة على تغيير الخطط عند الحاجة.

قال وانغ: "في الظروف العادية، تساعد إشارة التوتر هذه الدماغ على البقاء مرناً، وليس جامداً. فهي تساعدنا على التوقف والتفكير واتخاذ قرارات أفضل، خاصة عندما يحدث شيء مرهق".

أما النتيجة الرئيسية الثانية للدراسة فتوضح كيف يعطل الكحول نظام الاستجابة للضغط المفيد هذا.

عندما تم تطبيق الكحول على خلايا الدماغ - خلال المراحل المبكرة من الانسحاب - أضعف ذلك قدرة هرمون إطلاق الكورتيكوتروبين (CRF) على تنشيط الخلايا العصبية الكولينية البينية. كما أن الكحول بحد ذاته أبطأ نشاط هذه الخلايا.

بعبارة أخرى: الكحول يعيق قدرة الدماغ الطبيعية على التكيف أثناء الإجهاد.

قال وانغ: "يقطع الكحول بشكل أساسي خط التواصل. وعندما يحدث ذلك، يفقد الدماغ بعضاً من قدرته على الاستجابة للضغط النفسي بطريقة صحية. وقد يدفع هذا الشخص نحو سلوكيات تلقائية أو اعتيادية، مثل شرب الكحول".

قد يساعد هذا الاضطراب في تفسير سبب زيادة احتمالية انتكاس الأشخاص أثناء التعافي من اضطراب تعاطي الكحول بسبب الإجهاد، ولماذا ينطوي الإدمان في كثير من الأحيان على أنماط سلوكية جامدة يصعب تغييرها.

لماذا يُعد هذا الأمر مهمًا لفهم الإدمان؟

يُتيح اكتشاف هذا المسار المباشر للعلماء فهمًا أوضح لكيفية تأثير الضغط النفسي على اتخاذ القرارات وتكوين العادات في الدماغ. كما يُساعد في تفسير العديد من سمات الإدمان المعروفة، والتي كانت غامضة في السابق.

يُعد التوتر عاملاً محفزاً قوياً للانتكاس: فإذا أضعف الكحول استجابة الدماغ الطبيعية للتوتر، فقد تدفع اللحظات المجهدة الشخص إلى العودة مباشرة إلى عاداته القديمة.

ينطوي الإدمان على سلوكيات جامدة وقسرية: إذا تعطل نظام "المرونة" في الدماغ، يصبح من الصعب التخلص من الروتينات الضارة.

يمكن أن يؤدي الانسحاب إلى تفاقم الشعور بالتوتر: فقد وجدت الدراسة أن حتى الانسحاب المبكر يقلل من تأثيرات هرمون الكورتيكوتروبين، مما يعني أن الدماغ قد يكون عرضة للخطر بشكل خاص خلال هذه الفترة.

أساس للعلاجات المستقبلية

يقول وانغ إن النتائج مؤثرة لأنه إذا فهم العلماء موضع الخلل في النظام، فسيمكنهم البدء في إيجاد طريقة لإصلاحه. وأضاف: "قد يكون هذا المسار هدفًا واعدًا لمساعدة الناس على بناء مناعة ضد الإدمان أو الانتكاس".

نظراً لأن الدراسة حددت بعض الخلايا والمستقبلات المعنية بدقة، فقد تُسهم في توجيه تطوير علاجات مستقبلية. على سبيل المثال، قد تهدف العلاجات إلى:

تعزيز نشاط الخلايا العصبية الكولينية البينية.

دعم إشارات CRF أثناء الانسحاب.

حماية دائرة الاستجابة للضغط هذه من تأثيرات الكحول.

من خلال الكشف عن رابط بيولوجي دقيق بين التوتر والسلوكيات المرتبطة بالإدمان، تقدم الدراسة علامة فارقة في الجهود المبذولة لفهم ومعالجة القوى التي تجعل الإدمان اضطرابًا صعبًا للغاية.

قال وانغ: "يمنحنا هذا الاكتشاف خريطة لكيفية وصول التوتر إلى آلية اتخاذ القرار في الدماغ. والأهم من ذلك، أنه يوضح لنا كيف يتداخل الكحول مع تلك الخريطة. هذه المعرفة بالغة الأهمية".