الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

هل صحتنا النفسية مرتبطة بمكان إقامتنا أم العكس؟

الإثنين 21/يوليو/2025 - 03:38 م
الصحة النفسية
الصحة النفسية


توصل تحليل جديد لثماني سنوات من البيانات من دراسة المواقف والقيم إلى أن تكرار تحركاتنا والمكان الذي نعيش فيه مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بصحتنا العقلية.

قد تبدو هذه النتيجة بديهية من بعض النواحي، فهل يشعر الشخص، وهو يعيش في ضاحية خضراء يسهل المشي فيها، بحدائق وجيران مستقرين، بنفس الشعور الذي يشعر به في حيّ أكثر تنقلاً، قليل الخدمات المحلية، وطرق سريعة مزدحمة؟

ربما لا، فالبيئة الطبيعية والمعمارية تُشكل مدى شعور الشخص بالأمان والدعم والاستقرار.

وقال الباحثون: "أردنا أن نعرف إلى أي مدى تتأثر الصحة العقلية للشخص بالمكان الذي يعيش فيه، وإلى أي مدى تحدد الصحة العقلية للشخص المكان الذي سيعيش فيه".

وأضاف الباحثون: "تُعطينا معظم الأبحاث حول التأثيرات البيئية على الصحة النفسية لمحةً سريعةً عن حياة الناس في لحظةٍ زمنيةٍ محددة، هذا مفيد، لكنه لا يُظهر كيف تتغير الأمور بمرور الوقت، أو كيف يُمكن أن يؤثر الماضي على المستقبل".

وتابع الباحثون: "اتبعت دراستنا نهجًا مختلفًا بعض الشيء، فمن خلال تتبع الأشخاص أنفسهم عامًا بعد عام، نظرنا في الأنماط بمرور الوقت: كيف تغيرت صحتهم النفسية، وما إذا كانوا قد انتقلوا من منزل إلى آخر، ومدى وصولهم إلى الميزات البيئية الإيجابية والسلبية، وكيف تغيرت المناطق التي يعيشون فيها مع عوامل مثل الفقر والبطالة والاكتظاظ السكاني".

وأوضحوا: "لقد نظرنا أيضًا إلى أشياء مثل العمر وحجم الجسم ومدى ممارسة الأشخاص للتمارين الرياضية، والتي يمكن أن تؤثر جميعها على الصحة العقلية أيضًا، ولفهم هذه البيانات المعقدة والمترابطة، لجأنا إلى أدوات التعلم الآلي الحديثة، وتحديدًا خوارزميات الغابة العشوائية، وقد أتاحت لنا هذه الأدوات بناء العديد من النماذج الفردية (الأشجار) التي تدرس كيفية تأثير العوامل المختلفة على الصحة النفسية".

من ثم يمكن أن نرى ما هي العوامل التي تظهر في أغلب الأحيان لتقييم أهميتها النسبية والمدى المحتمل لتأثيرها.

أجرى الباحثون أيضًا محاكاة مونت كارلو، وتخيلوا هذه المحاكاة ككرة بلورية متطورة، لاستكشاف ما قد يحدث للصحة النفسية مع مرور الوقت إذا تحسنت ظروف الحي.

أنتجت هذه المحاكاة سيناريوهات مستقبلية متعددة ذات ظروف أفضل للحي، واستخدمت الغابة العشوائية للتنبؤ بنتائج الصحة العقلية في كل منها، ثم تم حساب متوسط النتائج.

ردود الفعل السلبية

ما اكتشفه الباحثون كان حلقة تغذية راجعة سلبية محتملة.

كان الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أو القلق أكثر عرضة للانتقال من منزل إلى آخر، وكان من انتقلوا، في المتوسط، أكثر عرضة لتدهور صحتهم النفسية لاحقًا.

كما أن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية مزمنة لم يكتفوا بالتنقل بوتيرة أكبر، بل كانوا أيضًا أكثر عرضة للانتقال إلى مناطق أكثر حرمانًا، بمعنى آخر، ارتبط ضعف الصحة النفسية بزيادة احتمالية الإقامة في أماكن تعاني من ندرة الموارد، واحتمالية ارتفاع خطر التوتر المستمر.

لم تتمكن الدراسة من تحديد سبب هذه الانتقالات، ولكن ربما كانت مشاكل الصحة النفسية مرتبطة بعدم استقرار السكن، أو الضائقة المالية، أو الحاجة إلى بداية جديدة. ستحاول أبحاثنا المستقبلية تحليل بعض هذه الأسباب.

من ناحية أخرى، كان الأشخاص الذين لم ينتقلوا كثيرًا، وخاصةً في المناطق الأقل حرمانًا، يتمتعون بصحة نفسية أفضل على المدى الطويل، لذا، الاستقرار مهم، وكذلك الحي.

المكان الذي نعيش فيه مهم

تُشكك هذه النتائج في فكرة أن الصحة النفسية تتعلق فقط بما في داخلنا، فمكان عيشنا يلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل مشاعرنا، ولكن ليس تأثير بيئتنا على عقولنا فقط، بل يمكن لعقولنا أيضًا أن تقودنا إلى بيئات مختلفة.

تُظهر الدراسة أن الصحة النفسية والمكان قد يكونان في حلقة مفرغة، يؤثر أحدهما على الآخر، وهذه الحلقة إما أن تدعم الرفاهية أو تدفعها إلى التدهور، وهذا له آثار حقيقية على كيفية دعمنا للأشخاص الذين يعانون من تحديات الصحة العقلية.

لأن الصحة العقلية في النهاية لا تعيش في العقل فحسب؛ بل إنها متجذرة أيضًا في الأماكن التي نعيش فيها.