الذكاء الاصطناعي يكشف عن مخاطر الإصابة بمرض السكري قبل ظهور الأعراض
لتشخيص داء السكري من النوع الثاني أو ما قبل السكري، عادة ما يعتمد الأطباء على تحليل للتعرف على قيمة HbA1c المخبرية.
يقيس هذا الاختبار متوسط مستويات سكر الدم لدى الشخص خلال الأشهر القليلة الماضية. لكن HbA1c لا يمكنه التنبؤ بمن هو الأكثر عرضة لخطر تطور الحالة من حالة صحية إلى حالة ما قبل السكري، أو من حالة ما قبل السكري إلى الإصابة بمرض السكري بشكل كامل.
والآن، اكتشف العلماء في معهد سكريبس للأبحاث أن الذكاء الاصطناعي يمكنه استخدام مزيج من البيانات الأخرى - بما في ذلك مستويات الجلوكوز في الوقت الفعلي من أجهزة المراقبة القابلة للارتداء - لتوفير رؤية أكثر دقة لمخاطر الإصابة بمرض السكري .

مراقبة الجلوكوز
يستخدم النموذج الجديد، الموصوف في مجلة "نيتشر ميديسن"، بيانات مراقبة الجلوكوز المستمرة (CGM) إلى جانب بيانات ميكروبيوم الأمعاء، والنظام الغذائي، والنشاط البدني، والمعلومات الجينية، ويكشف عن العلامات المبكرة لخطر الإصابة بالسكري، والتي قد تغفلها اختبارات الهيموغلوبين السكري القياسية.
يقول جورجيو كوير، المؤلف الرئيسي المشارك: "أظهرنا أن شخصين بنفس درجة الهيموغلوبين السكري (HbA1c) قد يختلفان اختلافًا كبيرًا في مستويات المخاطر الأساسية".
ويضيف: "بجمع المزيد من البيانات - مثل المدة التي تستغرقها طفرات الجلوكوز للاختفاء، وما يحدث للجلوكوز خلال الليل، ونوع الطعام المتناول، وحتى ما يحدث في الأمعاء - يمكننا أن نبدأ بتحديد من هو على الطريق السريع للإصابة بمرض السكري ومن ليس كذلك".
ويضيف المؤلف المشارك الكبير إد راموس: "في نهاية المطاف، فإن هدف هذا العمل هو الحصول على فهم أفضل لما يدفع تطور مرض السكري وكيف يمكننا التدخل في وقت مبكر في العيادة".
في حين أن بعض التقلبات في مستوى السكر في الدم طبيعية تمامًا، خاصةً بعد تناول الطعام، إلا أن ارتفاعات الجلوكوز المتكررة أو المبالغ فيها قد تكون علامة على أن الجسم يواجه صعوبة في إدارة السكر بفعالية.
لدى الأشخاص الأصحاء، عادةً ما يرتفع وينخفض سكر الدم بسلاسة. أما لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالسكري، فقد تصبح هذه الارتفاعات أكثر حدةً وتكرارًا أو أبطأ في الشفاء، حتى قبل أن تكشف الفحوصات المخبرية الروتينية، مثل الهيموجلوبين السكري التراكمي (HbA1c)، عن أي مشكلة.
تُظهر الدراسة الجديدة أن تتبع هذه الديناميكيات اليومية يوفر رؤية أكثر تفصيلًا للصحة الأيضية للشخص، وقد يساعد في تحديد المشاكل مبكرًا.
هذه النتائج هي ثمرة برنامج بحثي رقمي استمر لسنوات عديدة، يُسمى "دراسة التنبؤ باستجابة نسبة السكر في الدم" (PROGRESS).
استخدمت الدراسة التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتسجيل أكثر من 1000 شخص من جميع أنحاء الولايات المتحدة في تجربة سريرية عن بُعد. وشمل المشاركون أشخاصًا شُخِّصوا إما بمرحلة ما قبل السكري أو بمرض السكري، بالإضافة إلى أفراد أصحاء.
لمدة عشرة أيام، ارتدى المشاركون أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة (CGM) من طراز Dexcom G6، وتتبعوا وجباتهم الغذائية ونشاطهم البدني، وأرسلوا عينات من دمهم ولعابهم وبرازهم للتحليل.
كما أتيحت للباحثين إمكانية الوصول إلى السجلات الصحية الإلكترونية للمشاركين، والتي تضمنت نتائج فحوصاتهم المخبرية السابقة وتشخيصاتهم الطبية.
يقول راموس: "كان هذا جهدًا رائدًا حقًا في مجال التجارب السريرية عن بُعد. كان علينا تصميم دراسة يمكن للمشاركين إكمالها بأنفسهم بالكامل - من استخدام المستشعرات إلى جمع العينات البيولوجية وشحنها - دون الحاجة لزيارة عيادة. تطلب هذا المستوى من المشاركة الذاتية بنية تحتية مختلفة تمامًا عن المعتاد".
وباستخدام البيانات، قام الباحثون بتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي للتمييز بين الأشخاص المصابين بمرض السكري من النوع 2 والأفراد الأصحاء.
من أوضح مؤشرات خطر الإصابة بالسكري التي وجدها الباحثون هو الوقت الذي يستغرقه ارتفاع سكر الدم للعودة إلى مستواه الطبيعي.
فغالبًا ما يستغرق انخفاض سكر الدم لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني 100 دقيقة أو أكثر بعد ارتفاعه، بينما يعود الأشخاص الأصحاء إلى مستواهم الطبيعي أسرع بكثير.
كما وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين يتمتعون بتنوع ميكروبيوم الأمعاء ومستوى نشاط أعلى يميلون إلى التحكم بشكل أفضل في مستوى الجلوكوز، بينما يرتبط ارتفاع معدل ضربات القلب أثناء الراحة بالسكري.
الأهم من ذلك، أن نموذج الذكاء الاصطناعي لم يقتصر على اكتشاف المخاطر لدى الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع في مستوى الهيموجلوبين السكري (HbA1c). فعند تطبيقه على الأفراد في مرحلة ما قبل الإصابة بالسكري، وجد أن بعضهم بدا متشابهًا من الناحية الأيضية مع المصابين به، بينما كان آخرون يشبهون الأشخاص الأصحاء، على الرغم من تشابه نتائجهم المخبرية.
يمكن لهذا المستوى من التفصيل أن يساعد الأطباء على تخصيص العلاج، بالتركيز على تغييرات نمط الحياة أو العلاجات المبكرة للمرضى الأكثر عرضة لتطور المرض.
في حين أن الدراسة الحالية كانت لقطةً زمنيةً، يواصل الباحثون متابعة المشاركين لمعرفة ما إذا كانت تنبؤات النموذج تُترجم إلى تطور المرض في العالم الحقيقي.
كما تحققوا من صحة النموذج باستخدام مجموعة منفصلة من بيانات المرضى من إسرائيل، مما يعزز إمكانية استخدامه سريريًا على نطاق أوسع.
ويتوقع الفريق استخدام إصدارات مستقبلية من هذا النموذج من قبل الأطباء، أو حتى الأفراد الذين يستخدمون أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة في المنزل، لتقييم المخاطر الأيضية ومراقبة كيفية تأثير الاختيارات اليومية على مرض السكري.
يقول كوير: "في نهاية المطاف، يتعلق الأمر بمنح الناس فهمًا أعمق وتحكمًا أعمق. داء السكري لا يظهر فجأةً، بل يتطور ببطء، ولدينا الآن الأدوات اللازمة لاكتشافه مبكرًا والتدخل بذكاء أكبر".

