اكتشاف مسار علاجي جديد محتمل لمرض التوحد
اضطراب طيف التوحد (ASD) هو حالة نمائية عصبية تتميز باختلافات في التواصل والسلوك ومعالجة المعلومات الحسية.
وقد أظهرت الأبحاث السابقة أن بعض الأفراد الذين شُخِّصوا باضطراب طيف التوحد يُظهرون متغيرات جينية محددة أو اختلافات في تنظيم الجينات.
لدى بعض المرضى، وُجد أن جين Shank3 مُتَحَوِّر، أو مُحذوف جزئيًا أو كليًا، أو مُعَبَّر عنه بشكل أقل.
من المعروف أن هذا الجين يدعم تكوين نقاط اتصال تتواصل عندها الخلايا العصبية المتصلة، والمعروفة باسم المشابك العصبية.
تشير النتائج السابقة إلى أن الأشخاص الذين شُخِّصوا باضطراب طيف التوحد والذين تظهر عليهم متغيرات في جين Shank3 يُعانون أيضًا من خلل في حجم وبنية ووظيفة المادة البيضاء.
المادة البيضاء
المادة البيضاء هي منطقة دماغية مليئة بمادة دهنية تُعرف باسم الميالين، وهي تعزل الأعصاب وتسمح للإشارات بالانتقال بشكل أسرع داخل الجهاز العصبي.
يُنتَج الميالين بواسطة خلايا دبقية تُعرف بالخلايا الدبقية قليلة التغصن، والتي تتطور مما يُسمى الخلايا السلفية قليلة التغصن (OPCs).
عندما يتعطل نمو هذه الخلايا ونضجها، قد يؤدي ذلك إلى إنتاج كمية قليلة جدًا من الميالين (أي نقص تكوين الميالين) واضطرابات في التواصل بين الخلايا.
أجرى باحثون في جامعة أولم، ومركز علوم الأعصاب في أولم (NCU)، والمركز الألماني للأمراض العصبية التنكسية (DZNE)، مؤخرًا دراسةً تهدف إلى استكشاف كيفية تأثير الاختلافات الجينية المرتبطة بجين Shank3، والتي لوحظت لدى بعض المصابين باضطراب طيف التوحد، على نضج الخلايا قليلة التغصن.
وقد أدت نتائجهم، المنشورة في مجلة الطب النفسي الجزيئي ، إلى اكتشاف مسار تواصل جزيئي يتأثر بجين Shank3، الذي يتحكم في نمو الخلايا ونضجها.

كتب يوهوا ما وهيلين فريدريك باور وزملاؤهما في ورقتهم البحثية: "يتم ملاحظة تشوهات المادة البيضاء باستمرار في اضطراب طيف التوحد المرتبط بجين Shank3، ومع ذلك فإن الآليات الكامنة وراء خلل الخلايا الدبقية القليلة التغصن وعجز النخاع لا تزال ضعيفة التوصيف".
وأضافوا: "لقد أثبتنا أن نقص Shank3 يعطل نمو الخلايا الدبقية القليلة التغصن من خلال تعزيز تكاثر الخلايا السلفية القليلة التغصن (OPC) مع إضعاف النضج الوظيفي والتغميع".
كجزء من زملائهم، فحص ما وباور وزملاؤهما فئرانًا تفتقر إلى جين Shank3، وشكّلوا نموذجًا لاضطراب طيف التوحد المرتبط بجين Shank3.
وركزوا تحديدًا على نمو ونضج الخلايا الدبقية القليلة التغصن في أدمغة الفئران وحبلها الشوكي، بالإضافة إلى ما يُسمى بمسار إشارات إرك.
هذا مسار جزيئي معروف بتحكمه في نمو الخلايا ونضجها.
استكشف الباحثون ما إذا كان نقص Shank3 في الفئران يؤثر على نضج OPC، كما استخدموا أدويةً لحجب إشارات Erk، وبحثوا في آثار هذه الأدوية على إنتاج الميالين.
ميكانيكيًا، حفّز نقص جين Shank3 فرط نشاط مسار إشارات Erk، مما أثّر سلبًا على نضج الخلايا الدبقية قليلة التغصن، وساهم في نقص تكوين الميالين، كما كتب الباحثون.
وأضافوا: "أدى التثبيط الدوائي لمسار Erk إلى استعادة نضج الخلايا الدبقية قليلة التغصن بشكل فعال في المختبر، وعالج خلل تكوين الميالين في الجسم الحي، وحسّن جزئيًا السلوكيات المرتبطة بالتوحد والوظيفة الحركية لدى الفئران التي تعاني من نقص جين Shank3".
بشكل عام، وجد الفريق أن فقدان جين Shank3 أثر سلبًا على نمو خلايا OPCs، والذي ارتبط بدوره بإنتاج كمية قليلة جدًا من الميالين (أي نقص تكوين الميالين).
بالإضافة إلى ذلك، أظهروا أن جزيئًا يُحفز فرط نشاط مسار إشارات Erk (أي Wnt5a) يُفاقم الاضطرابات في إنتاج الميالين.
كتب ما وباور وزملاؤهما: "كشفت التحليلات النسخية أيضًا عن خلل في تنظيم إشارات Wnt، وخاصةً زيادة تنظيم Wnt5a، وهو ربيطة رئيسية لمسار Wnt غير التقليدي، في الخلايا قليلة التغصن التي تعاني من نقص Shank3".
وأضافوا: "وُجد أن علاج Wnt5a يُنشّط إشارات Erk في الخلايا قليلة التغصن الأولية، ويُكرر اختلالات تكوين الميالين الملحوظة".
هدف علاجي جديد واعد
تُسلّط نتائج هذه الدراسة الحديثة الضوء على الدور الرئيسي لمسار إشارات إرك في اضطراب نمو خلايا OPCs وتشوهات المادة البيضاء المرتبطة ببعض أشكال اضطراب طيف التوحد، وتحديدًا تلك التي تُميّز بغياب أو فقدان جين Shank3، وبالتالي، يُمكن أن يُمثّل هذا المسار هدفًا علاجيًا واعدًا، إذ يُمكن للأدوية التي تُقلّل من نشاطه أن تُساعد في استعادة عمليات تكوين الميالين، مما قد يُحسّن نتائج العلاج لدى بعض الأفراد المُشخّصين باضطراب طيف التوحد.
وكتب المؤلفون: "تكشف هذه النتائج عن محور Wnt5a-Erk باعتباره منظمًا أساسيًا لخلل الخلايا الدبقية القليلة التغصن في اضطراب طيف التوحد المرتبط بـ Shank3 وتسلط الضوء على إمكاناته العلاجية في معالجة العجز المرتبط بالمادة البيضاء".

