كيف يتغير نشاط الدماغ على مدار اليوم؟
نجح فريق دولي بقيادة جامعة ميشيجان في تقديم أساليب جديدة تكشف مناطق الدماغ التي كانت نشطة طوال اليوم بدقة الخلية الواحدة.
باستخدام نماذج الفئران، طوّر الباحثون بروتوكولاً تجريبياً وتحليلاً حاسوبياً لمتابعة الخلايا العصبية والشبكات الدماغية النشطة في أوقات مختلفة.
نُشرت الدراسة في مجلة PLOS Biology ، وتُقدّم رؤى جديدة حول إشارات الدماغ أثناء النوم واليقظة، مما يُشير إلى الأسئلة والأهداف الأهم التي دفعت إلى هذا العمل.
قال الباحث الرئيسي دانيال فورجر، أستاذ الرياضيات في جامعة ميشيغان: "أجرينا هذه الدراسة الصعبة لفهم التعب. نلاحظ تغيرات عميقة في الدماغ على مدار اليوم أثناء سهرنا، ويبدو أنها تتحسن مع النوم".
ما توصل إليه الفريق وكيفية اكتشافه قد يُسهم في تطوير أساليب جديدة لتقييم التعب لدى البشر بموضوعية، ويمكن استخدام هذه الأساليب لضمان حصول الأشخاص ذوي المسؤوليات الحرجة، مثل الطيارين والجراحين، على قسط كافٍ من الراحة قبل بدء رحلة جوية أو إجراء عملية جراحية.
قال فورجر: "نحن في الواقع نُقيّم إرهاقنا بشكل سيء. إنه مبني على تعبنا الشخصي. نأمل أن نتمكن من تطوير "علامات" تُخبرنا ما إذا كان الناس يعانون من إرهاق شديد، وما إذا كانوا قادرين على أداء وظائفهم بأمان".

نهج جديد
وبينما كان الباحثون في جامعة ميامي يعملون على إنشاء سير العمل الرياضية والحسابية لتحليل البيانات وتفسيرها، كان المتعاونون في اليابان وسويسرا يعملون على تطوير نهج تجريبي جديد قوي.
استخدموا شكلاً متطوراً من التصوير يُسمى المجهر الضوئي، والذي مكّنهم من توليد صور ثلاثية الأبعاد لأدمغة الفئران، كما قدّموا طريقةً للوسم الجيني تُنتج خلايا عصبية نشطة تتوهج تحت المجهر، مما سمح للباحثين بمعرفة أي الخلايا نشطة في الدماغ ومتى.
قال كونستانتينوس كومبوتيس، الباحث المشارك في الدراسة: "نعلم من الدراسات التي أُجريت على مدى العشرين أو الثلاثين عامًا الماضية كيفية فهم كيفية مساهمة جانب واحد - جين أو نوع من الخلايا العصبية، على سبيل المثال - في السلوك".
وأضاف: "لكننا نعلم أيضًا أن ما يحكم سلوكنا ليس مجرد جين واحد أو خلية عصبية واحدة أو بنية واحدة داخل الدماغ. بل كل شيء وكيفية ارتباطه وتفاعله في وقت معين".
جمع برنامج HSFP فرقًا من ثلاث دول لدراسة هذه الروابط والتفاعلات بعمق أكبر. وشمل ذلك فريق جامعة ميشيغان، وفريق زيورخ، وفريقًا يابانيًا بقيادة هيروكي أويدا من مختبر البيولوجيا التركيبية في مركز RIKEN لأبحاث النظم الحيوية والديناميكيات.
من خلال العمل معًا، لاحظ الفريق أنه، بشكل عام، عندما تستيقظ الفئران، يبدأ النشاط في الطبقات الداخلية، أو تحت القشرية، من الدماغ.
مع تقدم الفئران خلال يومها - أو بالأحرى ليلها (لأنها ليلية)، انتقلت مراكز النشاط إلى القشرة الدماغية على سطح الدماغ.
قال كومبوتيس: "لا يقتصر نشاط الدماغ على مدار اليوم أو خلال سلوك معين، بل إنه يُعيد تنظيم الشبكات أو مناطق الاتصال المسؤولة، تمامًا كما تخدم طرق المدن شبكات مرورية مختلفة في أوقات مختلفة".
قال فورجر إن هذه النتيجة، وكيفية التوصل إليها، تُشكلان خطواتٍ أساسيةً نحو تحديد علامات التعب وغيرها، على سبيل المثال، يظن فورجر أيضًا أن استكشاف هذا النمط العام بشكل أعمق قد يُسهم في إيجاد روابط للصحة النفسية.
وأضاف فورجر: "هذه الدراسة لا تتناول هذا الموضوع. لكنني أعتقد أن النشاط الذي رصدناه في مناطق مختلفة سيكون مهمًا لفهم بعض الاضطرابات النفسية".
علاوة على ذلك، بدأت شركة كومبوتيس بالفعل العمل مع شركاء صناعيين لاستخدام التقنيات التجريبية التي يستخدمها الفريق لاستكشاف كيفية تأثير العلاجات المختلفة ومرشحي الأدوية على نشاط الدماغ.
على الرغم من أن التقنيات التجريبية الجديدة غير قابلة للتطبيق على البشر، إلا أن الباحثين يستطيعون تطبيق بعض النتائج من نماذج الفئران على وظائف الأعضاء البشرية، وفقًا لفورجر.
كما صرّح المؤلف المشارك غوانهوا صن بأن الأساليب الحسابية المُطوّرة لهذه الدراسة قابلة للتعميم.
وقال صن "إن الرياضيات الكامنة وراء هذه المشكلة بسيطة للغاية في الواقع".
مكّنت هذه العملية الحسابية البسيطة الفريق من دمج بياناتهم الجديدة مع مجموعات البيانات المتوفرة حول أدمغة الفئران.
وأوضح صن أن التحدي يكمن في ضمان توافق طريقة دمج هذه البيانات مع معايير علم الأحياء وعلم الأعصاب.
وأضاف أنه طالما تم الالتزام بهذا المعيار، يُمكن تطبيق النهج الحسابي للفريق على البيانات البشرية المُستقاة من فحوصات تخطيط كهربية الدماغ والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني والتصوير بالرنين المغناطيسي.
وتابع صن: "إن طريقة رصد نشاط الدماغ البشري أكثر دقةً مما نراه في دراستنا، لكن الطريقة التي طرحناها في هذه الورقة البحثية قابلة للتعديل بحيث تنطبق على تلك البيانات البشرية، كما يُمكن تكييفها مع نماذج حيوانية أخرى، على سبيل المثال، تُستخدم لدراسة مرضي ألزهايمر وباركنسون، أعتقد أنها قابلة للتطبيق بسهولة".

