دور اليوجا في تسريع التعافي من أعراض انسحاب المواد الأفيونية
يُعد إدمان المواد الأفيونية، أو اضطراب تعاطي المواد الأفيونية، مشكلة صحية عالمية رئيسية، وتتسم عملية التعافي منه بارتفاع معدلات الانتكاس.
خلال فترة الانسحاب، يعاني المرضى من أعراض حادة، تُعزى جزئيًا إلى خلل في الجهاز العصبي، أو ما يُعرف بخلل الجهاز العصبي اللاإرادي.
ومع ذلك، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة JAMA Psychiatry أن اليوجا، عند دمجها مع الرعاية الطبية المعتادة، قد تُساعد في معالجة هذا الخلل في الجهاز العصبي اللاإرادي وتسريع عملية التعافي.

فرط نشاط الجهاز العصبي
الجهاز العصبي الودي مسؤول عن استجابة "الكر والفر"، والتي تستجيب للتهديدات المتصورة عن طريق زيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم واليقظة، وإبطاء عملية الهضم لإعادة توجيه الطاقة إلى العضلات والأعضاء الحيوية.
من جهة أخرى، يعمل الجهاز العصبي اللاودي - المسؤول عن "الراحة والهضم" - على تهدئة الجسم ومقاومة استجابة "الكر والفر" عن طريق إبطاء معدل ضربات القلب، وخفض ضغط الدم، وتحفيز عملية الهضم، والمساعدة في الحفاظ على التوازن والاسترخاء.
ويؤدي الإدمان على المواد الأفيونية إلى زيادة نشاط الجهاز العصبي الودي، مما يخلق حالة من عدم التوازن تغذي الرغبة الشديدة في التعاطي والانتكاس.
يشير مؤلفو الدراسة إلى أن " تقلب معدل ضربات القلب (HRV) يُعدّ مقياسًا فسيولوجيًا رئيسيًا يعكس توازن الجهاز العصبي الودي واللاودي".
وقد أظهرت مراجعة أجراها مون وفريقه عام 2024 انخفاضًا ملحوظًا في معدل ضربات القلب أثناء الراحة لدى الأفراد المصابين باضطراب تعاطي المواد المخدرة، وهو ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بزيادة مستويات التوتر، والرغبة الشديدة في التعاطي، وشدة الأعراض.
وتشير الأدلة الحديثة إلى أن خلل التنظيم الذاتي، الذي يُقاس بانخفاض معدل ضربات القلب، يرتبط بزيادة الرغبة الشديدة في التعاطي وزيادة احتمالية الانتكاس لدى المصابين باضطراب تعاطي المواد الأفيونية.
على الرغم من أهمية الأدوية التقليدية، مثل البوبرينورفين ، في التعافي، إلا أنها لا تعالج بشكل كامل اختلال التوازن اللاإرادي الناتج عن انخفاض نشاط الجهاز العصبي اللاودي وزيادة نشاط الجهاز العصبي الودي أثناء الانسحاب.
ولأن اليوجا معروفة بتنشيطها للجهاز العصبي اللاودي، سعت الدراسة الجديدة إلى تقييم ممارسة اليوجا كعلاج مساعد للتعافي من أعراض انسحاب المواد الأفيونية، وكذلك تقييم تأثيرها على تقلب معدل ضربات القلب، والقلق، والنوم، والألم.
تحسين التعافي من خلال اليوجا
شملت الدراسة تجربة سريرية عشوائية ضمت 59 مشاركًا من الذكور، تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عامًا، يعانون من أعراض انسحاب الأفيون الخفيفة إلى المتوسطة.
قُسّم المشاركون إلى مجموعتين: مجموعة العلاج الإضافي باليوجا (YAT) ومجموعة العلاج المعتاد (TAU)، والتي شكلت المجموعة الضابطة.
تلقّت مجموعة العلاج باليوجا عشر جلسات يوجا تحت إشراف متخصص، مدة كل منها 45 دقيقة، على مدار 14 يومًا، بالإضافة إلى العلاج القياسي بالبوبرينورفين، بينما تلقّت المجموعة الضابطة الرعاية القياسية فقط.
وشملت جلسات اليوجا أنشطة مثل تمارين الاسترخاء، والوضعيات الواعية (الأسانا)، وتقنيات تنظيم التنفس، والاسترخاء الموجّه.
بعد التجربة التي استمرت 14 يومًا، اتضح أن اليوجا أثرت بشكل ملحوظ على التعافي في مجموعة العلاج باليوجا.
أولئك الذين مارسوا اليوجا جنبًا إلى جنب مع الرعاية القياسية شهدوا تعافيًا أسرع من أعراض الانسحاب، بمتوسط فترة تعافي 5 أيام، مقارنة بـ 9 أيام للمجموعة الضابطة.
أظهرت مجموعة اليوجا تحسناً ملحوظاً في تقلب معدل ضربات القلب، مما يشير إلى تحسن في تنظيم الجهاز العصبي اللاإرادي.
كما أدت اليوجا إلى تحسين سرعة النوم ، حيث نامت المجموعة التي مارست اليوجا لمدة 61 دقيقة أسرع في المتوسط. ولوحظ أيضاً تحسن ملحوظ في مستويات القلق والإحساس بالألم.
ويضيف مؤلفو الدراسة: "من خلال تقصير فترة الانسحاب التي يكون فيها خطر الانتكاس ومعدلات التسرب في أعلى مستوياتها، قد يؤثر اليوجا على هذه المسارات، مما قد يحسن الاحتفاظ بالنتائج على المدى الطويل".
يشير الفريق إلى أن اليوجا تُساعد على التعافي من خلال استعادة العمليات التنظيمية الأساسية، بدلاً من مجرد معالجة الأعراض، وقد أظهر تحليل الوساطة أن زيادة نشاط الجهاز العصبي اللاودي تُفسر 23% من تأثير اليوجا على سرعة التعافي.
كما أشاروا إلى بعض القيود، مثل كون المجموعة الدراسية تتكون بالكامل من الذكور، وأن غالبية المشاركين كانوا يتلقون العلاج من نوع واحد من المواد الأفيونية (تابينتادول).
كتب مؤلفو الدراسة: "على الرغم من أن التابينتادول كان المادة الأفيونية الرئيسية التي أُسيء استخدامها، إلا أن فرط تنشيط الجهاز العصبي الودي يُعدّ سمة مميزة لأعراض الانسحاب من مختلف المواد، بما في ذلك المورفين والفنتانيل.
وقد أظهرت الأدلة أن انسحاب المواد الأفيونية يُضعف بشكل عام وظيفة العصب المبهم، وأن انخفاض معدل تقلب ضربات القلب يرتبط بشدة الأعراض، وأن التعرض المزمن يُضعف قوة التردد العالي. وبالتالي، من المرجح أن تمتد فوائد اليوجا في تنشيط الجهاز العصبي الودي واللاودي لتشمل مواد أفيونية أخرى، ولكن هناك حاجة إلى تكرار هذه النتائج في بيئات متنوعة وبين مجموعات سكانية مدمنة على الفنتانيل.

