نوعان من الدهون تفتحان آفاقاً جديدة في مكافحة اضطرابات المناعة الذاتية والسرطان
حدد باحثون في المركز الطبي الجنوبي الغربي التابع لجامعة تكساس نوعين من الدهون يعملان مع بروتين أساسي يُعرف باسم مُحفز جينات الإنترفيرون (STING) لإطلاق استجابة مناعية في جسم الإنسان.
قد تُفضي نتائجهم، التي نُشرت تفاصيلها في ورقتين بحثيتين متزامنتين في مجلة Nature، إلى طرق جديدة للتأثير على الجهاز المناعي لمكافحة العدوى والسرطان واضطرابات المناعة الذاتية والأمراض التنكسية العصبية.
وقال الدكتور تشيجيان "جيمس" تشين، أستاذ البيولوجيا الجزيئية ومدير مركز أبحاث الالتهابات في جامعة تكساس ساوث وسترن: "تكشف هذه الدراسات عن مستويات إضافية من تنظيم مسار cGAS-STING، مما يؤكد أهمية التحكم في نشاط هذا المسار حتى يتمكن الجسم من تكوين استجابة مناعية فعالة ضد العدوى مع تجنب ردود الفعل المناعية الذاتية تجاه أنسجة الجسم نفسه، وقد ثبت أن اختلال تنظيم هذا المسار يسبب مجموعة متنوعة من أمراض المناعة الذاتية والالتهابية".
يُعدّ الدكتور تشين، أحد أبرز الباحثين في العالم في مجال المناعة الفطرية، مؤلفًا مشاركًا في إحدى الدراسات ومؤلفًا رئيسيًا في دراسة أخرى.
وقد حظي اكتشافه لإنزيم cGAS ، الذي يُنتج جزيئًا يُسمى cGAMP لتنشيط STING، بالعديد من الجوائز المرموقة، بما في ذلك جائزة اليابان في علوم الحياة لعام 2026، وجائزة ألبرت لاسكر للبحوث الطبية الأساسية لعام 2024، وجائزة الاختراق في علوم الحياة لعام 2019.

بروتين STING
يُعدّ بروتين STING جزءًا أساسيًا من جهاز المناعة الفطرية، الذي يوفر حماية واسعة النطاق ومبكرة ضد الأجسام الغريبة الغازية، مثل الفيروسات والبكتيريا والفطريات والطفيليات، بالإضافة إلى السرطان.
ومن بين المحفزات لنشاط المناعة الفطرية الحمض النووي الموجود في سيتوبلازم الخلايا.
يستشعر إنزيم cGAS هذا الحمض النووي وينتج جزيء cGAMP الذي يرتبط ببروتين STING، الموجود في عُضية خلوية تُسمى الشبكة الإندوبلازمية (ER) عندما تكون غير نشطة.
بعد ارتباط جزيئات STING بـ cGAMP، يتم تنشيطها، فترتبط ببعضها في سلسلة (عملية تُسمى التجميع) وتهاجر إلى عُضية أخرى تُسمى جهاز غولجي.
هناك، تُفعّل جزيئات إضافية في سلسلة إشارات تُحفز النشاط المناعي. يُعد تجميع جزيئات STING ضروريًا لحدوث ذلك.
لطالما كان من غير الواضح كيف يتجمع بروتين STING ولماذا يحتاج إلى الانتقال من الشبكة الإندوبلازمية إلى جهاز غولجي.
وللكشف عن جزيئات إضافية تلعب دورًا في تنظيم STING، قام فريق بقيادة الدكتور تشين وجاي شياوجون تان، بتحليل الجزيئات التي تتفاعل مع STING.
وقد برز أحد هذه الجزيئات: إنزيم يُعرف باسم PIKfyve، والذي ينتج دهنًا يُسمى PtdIns(3,5) P2.
عندما استخدم الباحثون تقنية جينية لحذف جين PIKfyve من الخلايا، توقف بروتين STING عن الانتقال من الشبكة الإندوبلازمية إلى جهاز غولجي، ولم يعد يُفعّل الجزيئات في مسار إشاراته المناعية.
وأظهرت تجارب لاحقة أن مزج PtdIns(3,5)P 2 مع STING يُعزز تنشيطه بواسطة cGAMP.
كما أظهرت دراسة أخرى أن PtdIns(3,5)P 2 يرتبط مباشرةً بـ STING.
تشير هذه النتائج مجتمعةً إلى أن PtdIns(3,5)P 2 يعمل مع cGAMP لتنشيط STING.
لفهم دور PtdIns(3,5)P 2 بشكل أفضل ، استخدم الباحثون المجهر الإلكتروني فائق البرودة، الذي يُتيح تصوير الجزيئات على المستوى الذري.
وأظهرت نتائجهم أن PtdIns(3,5)P 2 يرتبط بأخدود بين أزواج من جزيئات STING، ويعمل كجسر يربط هذه الأزواج في سلسلة.
وقد فوجئ الباحثون بالعثور على جزيئات الكوليسترول في مكان قريب من موقع ارتباط PtdIns(3,5)P 2. ويبدو أن الكوليسترول يُساهم في استقرار الترتيب الخطي لـ STING.
تعاون الفريقان كمجموعة لاختبار تأثير طفرات في أجزاء من بروتين STING التي ترتبط بـ PtdIns(3,5)P 2 والكوليسترول.
لم تعد جزيئات STING الطافرة تُشكّل سلسلة أو تُطلق سلسلة الإشارات، مما يؤكد أن PtdIns(3,5)P 2 والكوليسترول ضروريان لهذه العمليات.
أوضح الدكتور تشانغ أن هذه النتائج لا تقتصر على الإجابة عن أسئلة العلوم الأساسية فحسب، بل إن معرفة الجزيئات المشاركة في تنشيط بروتين STING وكيفية ارتباطها به يمكن أن يرشد الباحثين في تصميم أدوية تساعد أو تثبط هذه العمليات، فتحفيز تنشيط STING قد يساعد المرضى على مكافحة العدوى أو السرطان، بينما قد يُسهم تثبيطه في علاج أمراض المناعة الذاتية والأمراض التنكسية العصبية.
ويعتزم الباحثون مواصلة دراسة آلية عمل مسار cGAS-STING لتحقيق هذه الأهداف.

