رصد المراحل المبكرة للاستجابة المناعية داخل الخلايا
في بحث جديد، نجح علماء في التقاط تكوين مركب إشارات مناعية داخل خلايا بشرية سليمة وذلك للمرة الاولى.
تُقدّم النتائج، المنشورة في مجلة "ساينس أدفانسز"، نظرةً مُعمّقةً على كيفية تجمّع هذا المُركّب وتفاعله مع أجزاء أخرى من الخلية، ما يُوفّر رؤىً جديدةً حول المراحل المُبكرة من استجابة الجسم الالتهابية للعدوى وإشارات الإجهاد الأخرى.
ويمكن أن يُساهم هذا العمل، الذي يُشكّك في النماذج السائدة منذ زمن طويل لهذه العملية، في توجيه الجهود المُستقبلية لتطوير أساليب علاجية جديدة للأمراض الالتهابية.
قال بيتر دالبرغ، أحد المتعاونين في الدراسة: "تشير نتائجنا إلى أن الإنفلاماسوم قد يتجمع بطريقة مختلفة تمامًا عما كان يعتقده العلماء سابقًا، أعتقد أننا غيرنا قواعد اللعبة من خلال إظهار أن هناك مسارًا آخر ممكنًا".

إعادة النظر في حركة العجلة
عندما تستشعر الخلايا العدوى أو غيرها من أشكال الإجهاد، فإنها تُفعّل أنظمة الإنذار الجزيئية التي تُحفّز الاستجابات المناعية المصممة لحماية الجسم.
أحد هذه الأنظمة هو الإنفلاماسوم، وهو مُركّب بروتيني يستشعر إشارات الخطر ويُحفّز الالتهاب عن طريق إطلاق جزيئات إشارة تُنشّط الخلايا المناعية.
وقال الباحثون: "يعمل الإنفلاماسوم كنظام إنذار مبكر"، كما قالت فيليس وانغ، الباحثة في مركز SLAC والتي قادت البحث. "بمجرد تنشيطه، يطلق بروتينات إشارة تسمى السيتوكينات التي تحفز استجابات مناعية لاحقة. إنها إحدى الخطوات الأولى في مسار الالتهاب".
ركز الباحثون على أحد أكثر أعضاء عائلة الإنفلاماسوم دراسة، والمعروف باسم NLRP3. على مدى العقد الماضي، أظهرت الدراسات أن NLRP3 يشكل بنية عالية التنظيم تشبه عجلة العربة، مع "أشعة" بروتينية تشع للخارج من مركز محوري.
ومع ذلك، فقد استندت تلك النماذج إلى حد كبير على تجارب أجريت باستخدام بروتينات نقية خارج الخلية بدلاً من الملاحظات المباشرة للمركب في بيئته الأصلية.
قال الباحثون: "لقد تمكن العلماء من تنقية المكونات الفردية وتحديد هياكل تشبه عجلة منظمة جيدًا. لكن لم يسبق لأحد أن تصور بشكل مباشر عملية تجميع المركب داخل الخلايا البشرية مع جميع شركائه المتفاعلين في الجسيم المركزي، وهو بنية خلوية تلعب دورًا رئيسيًا في انقسام الخلية".
شريحة من الحياة
تطلّب الحصول على هذه الرؤية التغلب على تحديات تقنية كبيرة. استخدم الفريق التصوير المقطعي الإلكتروني بالتبريد، وهي تقنية تُمكّن الباحثين من إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد للهياكل الخلوية المحفوظة في حالة تجميد.
تُتيح هذه الطريقة مراقبة التجمعات الجزيئية داخل الخلايا بدقة عالية للغاية.
نظرًا لصعوبة مرور الإلكترونات عبر الأنسجة البيولوجية السميكة بشكل متماسك، يجب أولًا ترقيق الخلايا إلى شرائح متناهية الصغر. ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون نظام شعاع أيوني مركّز يقوم بطحن الأنسجة الخلوية بدقة متناهية لإنتاج مقاطع رقيقة جدًا مناسبة للتصوير.
ويُدمج هذا النظام مع المجهر الفلوري، مما يسمح للعلماء بتحديد أهداف جزيئية محددة قبل تقطيع العينة وتصويرها. وقد تطلّب تطوير هذه الطريقة سنوات من التجربة والخطأ.
قال الباحثون: "إذا وضعت خلية كاملة في مجهر إلكتروني، فإنها ستظهر سوداء اللون لأن الإلكترونات لا تستطيع اختراقها. عليك إزالة معظم الخلية وترك منطقة رقيقة فقط تحتوي على التركيب الذي تريد دراسته".
بعد تطوير تقنية دقيقة لتوجيه تقطيع الخلايا، قام الفريق بوسم مكونات الإنفلاماسوم بعلامات فلورية، واستخدموا أصباغًا لتحديد الجسيم المركزي، وهو الموقع الخلوي الذي يتجمع فيه الإنفلاماسوم.
وقد مكّن هذا الباحثين من توجيه عملية التقطيع إلى المناطق التي تتشكل فيها الإنفلاماسومات داخل الخلية قبل تصوير تلك المناطق باستخدام التصوير المقطعي الإلكتروني بالتبريد.
كشفت الصور عن بنيةٍ بدت مختلفةً بشكلٍ لافتٍ عن شكل العجلة الذي يُصوَّر عادةً في النماذج. بدا أن الإنفلاماسوم يُشكِّل عنقودًا كثيفًا يشبه الهلام من البروتينات وجزيئات الإشارة التي تتراكم حول الجسيم المركزي.
يُعدُّ تركيب الهلام أكبر بكثير من التراكيب الشبيهة بالعجلة نفسها، مما يُشير إلى أنه قد يكون مُكوَّنًا من عجلاتٍ كاملة أو أجزاءٍ منها شديدة التنوع بحيث يصعب تحديدها بشكلٍ قاطع في هذه الدراسة.
مع تمدد بنية الهلام، فإنها تدفع السنتريولين - وهما بنيتان صغيرتان أنبوبيتان - اللتان تُشكلان الجسيم المركزي.
في الظروف الطبيعية، يُعد انفصال السنتريولين من أوائل خطوات عملية انقسام الخلية. ولكن في هذه الحالة، يبدو أن تجمع البروتين المتنامي يحاصر السنتريولين ويمنع الخلية من إكمال دورة الانقسام.
قد تساعد هذه الملاحظة في تفسير لغز بيولوجي قديم: فالخلايا عموماً لا تنقسم أثناء قيامها باستجابة التهابية في نفس الوقت.
قال الباحثون: "عادةً ما يكون تنشيط الإنفلاماسوم وانقسام الخلايا أمرين متنافيين. يمكن للخلية إما أن تنقسم أو تستجيب لإشارات الخطر، لكنها عادةً لا تفعل كليهما في نفس الوقت".
من خلال إظهار تكوين الإنفلاماسوم مباشرة حول الجسيم المركزي، يقترح الباحثون آلية فيزيائية محتملة تربط بين هاتين العمليتين.
تغيير النهج
يلعب الالتهاب دورًا في طيف واسع من الأمراض، بما في ذلك أمراض المناعة الذاتية، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والأمراض التنكسية العصبية. ونتيجة لذلك، أصبح جسيم NLRP3 الالتهابي هدفًا مهمًا لتطوير الأدوية.
ركزت العديد من الاستراتيجيات الدوائية على تصميم جزيئات تمنع الحركة داخل الإنفلاماسوم. ومع ذلك، تشير النتائج الجديدة إلى أن البنية قد تتصرف بشكل أقل كآلة جزيئية صلبة وأكثر كمكثف بروتيني مرن يتكون من خلال العديد من التفاعلات الضعيفة.
"إذا كان النظام يتصرف أيضًا مثل مجموعة منفصلة الطور - هلام من العديد من البروتينات المتفاعلة بشكل ضعيف - فإنه يمكن أن يضيف طريقة جديدة للتعامل مع التصميم العلاجي، جنبًا إلى جنب مع الأساليب القائمة على العجلة"، كما قال هاو وو، الأستاذ في جامعة هارفارد الذي تعاون في هذا البحث.
يؤكد الباحثون أن نتائجهم توضح كيفية عمل نوع واحد من الإنفلاماسوم في نوع الخلية الذي درسوه.
وستكون هناك حاجة إلى مزيد من التجارب لتحديد ما إذا كانت الآلية نفسها تحدث لأنواع أخرى من الإنفلاماسوم في أنواع خلايا أخرى.
وقال الباحثون: "الخطوة التالية هي تحديد ما إذا كان ذلك مبدأً عامًا أم شيئًا يحدث فقط في أنظمة معينة".

