الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

خوذة مبتكرة لتحفيز الدماغ العميق دون الحاجة إلى جراحة

الإثنين 08/سبتمبر/2025 - 01:13 م
باركنسون
باركنسون


نجح باحثون في تطوير جهاز الموجات فوق الصوتية الذي يمكنه تحفيز مناطق عميقة في الدماغ بدقة دون جراحة، وهو ما يفتح إمكانيات جديدة للأبحاث العصبية وعلاج الاضطرابات مثل مرض باركنسون.

تظهر ورقة بحثية تصف هذا العمل في مجلة Nature Communications.

لطالما بحث العلماء عن طريقة لتعديل وظائف الدماغ، مما قد يُحسّن فهمنا لكيفية عمله ويُساعد في علاج الأمراض العصبية ، باستخدام أساليب غير جراحية لا تتضمن جراحة.

تعديل نشاط الخلايا العصبية

إحدى التقنيات التي قد تُساعد في ذلك هي التحفيز بالموجات فوق الصوتية عبر الجمجمة (TUS)، الذي اكتُشف مؤخرًا أنه قادر على تعديل نشاط الخلايا العصبية (خلايا الاتصال الرئيسية في الدماغ) من خلال إرسال نبضات ميكانيكية خفيفة تُؤثر على كيفية إرسال هذه الخلايا للإشارات.

لكن حتى الآن، لا تزال الأنظمة الحالية تواجه صعوبة في الوصول إلى مناطق أعمق من الدماغ بدقة كافية لاستهداف بنى دماغية محددة.

غالبًا ما تؤثر أنظمة الموجات فوق الصوتية التقليدية على مناطق أوسع من المقصود، مما يحد من فائدتها في التعديل العصبي المستهدف.

وتقدم الدراسة جهازًا جديدًا للموجات فوق الصوتية قادرًا على التأثير على مناطق الدماغ العميقة دون جراحة لأول مرة، حيث يستهدف مناطق أصغر بنحو 1000 مرة مما تستطيع أجهزة الموجات فوق الصوتية التقليدية تحديده، وأصغر بنحو 30 مرة من أجهزة الموجات فوق الصوتية العميقة في الدماغ السابقة.

تتميز التقنية الجديدة بـ 256 عنصرًا مُصممًا داخل خوذة خاصة لإرسال أشعة مركزة من الموجات فوق الصوتية إلى مناطق محددة من الدماغ لزيادة أو خفض النشاط العصبي.

كما تتضمن قناعًا بلاستيكيًا ناعمًا للوجه يُساعد على توجيه الموجات فوق الصوتية بدقة أكبر من خلال إبقاء الرأس ثابتًا.

أثبت فريق البحث قدرات النظام على سبعة متطوعين بشريين من خلال استهداف جزء من المهاد، وهو بنية صغيرة في مركز الدماغ تساعد على نقل المعلومات الحسية والحركية، تُسمى النواة الركبية الجانبية (LGN). تشارك هذه النواة في معالجة المعلومات البصرية.

في التجربة الأولى، نظر المشاركون إلى رقعة شطرنج وامضة، أرسلت إشارات إلى الدماغ عبر العينين. أثناء التحفيز بجهاز الموجات فوق الصوتية، أظهر فحص التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) زيادة ملحوظة في نشاط القشرة البصرية للمشاركين، مما يؤكد دقة استهداف الشبكة العصبية الأمامية السفلية.

وكشفت تجربة ثانية عن انخفاض مستمر في نشاط القشرة البصرية لمدة 40 دقيقة على الأقل بعد تحفيز الموجات فوق الصوتية، وهو ما يسلط الضوء على قدرة النظام على إحداث تغييرات دائمة في وظائف المخ.

مع أن المشاركين لم يُدركوا بوعي أي تغيرات في ما رأوه خلال التجارب، إلا أن مسوحات الدماغ كشفت عن تغيرات ملحوظة في النشاط العصبي.

الهدف النهائي هو تسخير هذه التأثيرات لتحقيق نتائج سريرية مفيدة، مثل إيقاف ارتعاش اليد.

قال البروفيسور برادلي تريبي، المؤلف الرئيسي للدراسة من قسم الفيزياء الطبية والهندسة الطبية الحيوية بجامعة كوليدج لندن: "يفتح هذا التقدم آفاقًا جديدة لأبحاث علم الأعصاب والعلاج السريري.

فلأول مرة، أصبح بإمكان العلماء دراسة العلاقات السببية في الدوائر الدماغية العميقة، بطريقة غير جراحية، والتي لم تكن متاحة سابقًا إلا من خلال الجراحة.

سريريًا، يمكن لهذه التقنية الجديدة أن تُحدث نقلة نوعية في علاج الاضطرابات العصبية والنفسية، مثل مرض باركنسون، والاكتئاب، والرعشة الأساسية، إذ تُقدم دقة غير مسبوقة في استهداف دوائر دماغية محددة تلعب دورًا رئيسيًا في هذه الحالات.

تُمثل القدرة على تعديل هياكل الدماغ العميقة بدقة دون جراحة نقلة نوعية في علم الأعصاب، إذ تُقدم طريقة آمنة وقابلة للعكس والتكرار لفهم وظائف الدماغ وتطوير علاجات مُستهدفة.

بالإضافة إلى تطبيقاته البحثية، يُمكن للنظام أن يُمهّد الطريق لتدخلات سريرية جديدة. يتطلب التحفيز العميق للدماغ (DBS)، المُستخدم حاليًا لعلاج حالات مثل مرض باركنسون، جراحةً باضعة وينطوي على مخاطر مُصاحبة.

يُقدّم نظام الموجات فوق الصوتية الجديد بديلاً غير باضع بدقة مُماثلة، مما يُتيح للأطباء اختبار مناطق الدماغ التي يُمكن استخدامها لعلاج الأمراض قبل الجراحة، أو حتى استبدال الأساليب الجراحية تمامًا.

إدراكًا لهذه الإمكانات السريرية، أسس العديد من أعضاء فريق البحث مؤخرًا شركة NeuroHarmonics، وهي شركة ناشئة من جامعة كلية لندن، تعمل على تطوير نسخة محمولة وقابلة للارتداء من هذا النظام. تهدف الشركة إلى توفير علاج دقيق وغير جراحي للدماغ العميق، سواءً للعلاج السريري أو للتطبيقات العلاجية الأوسع.

قالت الدكتورة إليانور مارتن، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم الفيزياء الطبية والهندسة الطبية الحيوية بجامعة كوليدج لندن: "صممنا النظام ليكون متوافقًا مع التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي المتزامن، مما يُمكّننا من مراقبة آثار التحفيز آنيًا، وهذا يفتح آفاقًا واعدة لتعديل الأعصاب بتقنية الحلقة المغلقة والعلاجات الشخصية".

يؤكد الباحثون على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات لفهم الآليات الكامنة وراء التعديل العصبي الناتج عن تحفيز الدماغ بالموجات فوق الصوتية (TUS). ومع ذلك، تُمثل هذه النتائج إنجازًا هامًا في تطوير تقنيات تحفيز دماغي آمنة وفعالة ومُستهدفة.