تأثير الصراعات الأسرية على الصحة العقلية لدى المراهقين
يُعدّ تحديد العوامل التي تُسهم في الاضطراب النفسي وتزيد من خطر الإصابة باضطرابات نفسية مُحددة هدفًا راسخًا لدى العديد من باحثي علم النفس.
وبينما سلّطت الدراسات السابقة الضوء على الدور الحاسم لبعض التجارب، وخاصةً الأحداث الصعبة التي تقع خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة، في تطور اضطرابات الصحة النفسية، إلا أنه غالبًا ما يصعب قياس تأثيرها وتمييزه عن العوامل الأخرى التي قد تُسهم في الاضطراب النفسي.

دراسة اضطرابات الصحة النفسية
لقد أتاحت التطورات التكنولوجية الحديثة، لا سيما تطوير أدوات التعلم الآلي والتحليل الحاسوبي المتطورة باستمرار، آفاقًا جديدة لدراسة اضطرابات الصحة النفسية وأنماطها الكامنة.
وعند استخدامها لتحليل الكميات الهائلة من البيانات التي جمعتها خدمات الصحة النفسية والمتخصصون فيها على مدى العقود الماضية، يمكن أن تساعد هذه الأساليب في الكشف عن الارتباطات بين متغيرات محددة والاتجاهات الخفية المرتبطة بالاضطرابات النفسية.
شرع باحثون في جامعة واشنطن في سانت لويس وكلية الطب بجامعة واشنطن مؤخرًا في استكشاف المساهمة المحتملة لعوامل مختلفة في ضعف الصحة النفسية لدى المراهقين، وذلك باستخدام تقنيات استخراج البيانات (أي الأساليب الحسابية لاكتشاف الأنماط في البيانات).
تشير نتائجهم، المنشورة في مجلة "نيتشر للصحة النفسية"، إلى أن التجارب الاجتماعية ، وخاصةً الصراعات بين أفراد الأسرة ، والتنمر، أو فقدان السمعة بين الأقران، هي أقوى المؤشرات على الاضطرابات النفسية لدى المراهقين.
كتب روبرت جيه. جيرساراي وديان إم. بارش وزملاؤهما في البحث: "يتمثل أحد التحديات الرئيسية في التنبؤ بالحالة النفسية للشخص في وجود مجموعة واسعة من العوامل المساهمة، ولكل منها تأثير طفيف، وإن كان ذا دلالة، على الصحة النفسية".
وأضافوا: "لقد طبقنا تقنيات استخراج البيانات لتحديد أهم عوامل الخطر للتنبؤ بالأعراض الحالية والنتائج الطولية من دراسة النمو المعرفي لدماغ المراهقين (ABCD) (عدد المشاركين = 11552)".
في إطار دراستهم، فحص جيرساراي وبارش وزملاؤهما بيانات من مجموعة بيانات ضخمة جُمعت في إطار إحدى أكبر دراسات نمو الدماغ التي أُجريت على الإطلاق، والمعروفة باسم دراسة ABCD.
منذ عام 2016، تجمع دراسة ABCD بيانات نفسية وسلوكية وبيانات تصوير دماغي من نفس الأطفال في 21 موقعًا بحثيًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بدءًا من سن التاسعة إلى العاشرة.
باستخدام تقنيات استخراج البيانات، حلل الباحثون بيانات ABCD التي جُمعت حتى الآن، لتحديد العوامل التي تُنبئ بشكل أفضل بنتائج الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
ركزت تحليلاتهم على العوامل الاجتماعية والديموغرافية، بالإضافة إلى صور تصوير الدماغ المجمعة.
كتب الباحثون: "أظهرت نتائجنا باستمرار أن الصراعات الاجتماعية كانت أقوى مؤشرات الأمراض النفسية، وخاصةً الشجارات العائلية وتضرر السمعة بين الأقران".
وأضافوا: "برزت الفروق بين الجنسين أيضًا كعامل حاسم في التنبؤ بنتائج الصحة النفسية على المدى الطويل. وكانت المقاييس المستمدة من التصوير العصبي الأقل إفادة باستمرار".
من المثير للاهتمام أن الباحثين وجدوا أن بيانات تصوير الدماغ كانت أسوأ مؤشر للصحة النفسية، بينما كانت العوامل الاجتماعية أقوى المؤشرات.
هذا يشير إلى أن النزاعات الأسرية والعلاقات الصعبة مع الأقران قد تلعب دورًا حاسمًا في ظهور الصعوبات العاطفية والنفسية خلال فترة المراهقة.
يمكن للنتائج أن تُرشد التطوير المستقبلي للتدخلات النفسية التي تُعالج الصعوبات الاجتماعية خلال الطفولة والمراهقة، أو التي تهدف إلى الحد من خطر الإصابة بالأمراض النفسية لدى المراهقين.
والجدير بالذكر أنه على الرغم من أن الصراعات الاجتماعية تُعتبر أقوى مُنبئات بضعف الصحة النفسية، إلا أنها لم تُفسر سوى أقل من نصف التباين في البيانات. وبالتالي، يُمكن لدراسات أخرى إجراء تحليلات إضافية تتناول نطاقًا أوسع من العوامل.
على الرغم من أن هذه النتائج تُقدم رؤية جديدة حول الأصول التنموية للأمراض النفسية، إلا أن أفضل نماذجنا أداءً لم تستطع تفسير سوى ما يصل إلى 40% من التباين بين الأفراد.
وكتب الباحثون: "هناك حاجة إلى أبحاث مستقبلية للوصول إلى فهم أشمل لجميع العوامل التي تُسهم بشكل فعّال في الصحة النفسية".

