كيف يمكن للضغط الاجتماعي أن يزيد من حدة التهاب القولون؟
لعقود طويلة، أبلغ مرضى التهاب الأمعاء عن نمط مألوف ومحبط: فترات التوتر الشديد غالباً ما تتبعها أعراض متفاقمة أو نوبات حادة من المرض.
وقد لاحظ الأطباء هذه الظاهرة نفسها، إلا أن التفسير البيولوجي لها ظل غامضاً، مما جعل البعض يتجاهل التوتر باعتباره أمراً شخصياً أو مجرد حكايات أو "مجرد وهم".
تُساهم دراسة جديدة نُشرت في مجلة "الدماغ والسلوك والمناعة" في تغيير هذا التصور.

مسار بيولوجي
فقد حدد باحثون من جامعة إلينوي مسارًا بيولوجيًا يُمكن من خلاله أن يُفاقم الإجهاد الاجتماعي التهاب القولون، رابطين بين التجارب النفسية وتلف قابل للقياس في الأمعاء نفسها.
وتُظهر نتائجهم أن الإجهاد يُنشط إشارات مستقبلات بيتا الأدرينالية في الأمعاء، مما يُؤدي إلى إجهاد تأكسدي يُضعف بطانة الأمعاء ويُزيد من حدة الالتهاب.
قال جاكوب ألين، أحد مؤلفي الدراسة: "لاحظ الأطباء منذ فترة طويلة أن الأحداث شديدة التوتر - كوفاة أحد أفراد الأسرة، أو أحداث الحياة الكبرى، أو الإجهاد المزمن - غالباً ما تسبق تفاقم الأعراض ونوبات المرض لدى مرضى التهاب الأمعاء، وتكشف نتائجنا عن آليات فسيولوجية محتملة لكيفية تحول التوتر إلى تغييرات في الأمعاء تُفاقم التهاب الأمعاء".
من المعروف أن التوتر يُنشّط الجهاز العصبي الودي، المسؤول عن استجابة الجسم للقتال أو الهروب، مما يؤدي إلى إفراز الكاتيكولامينات مثل الأدرينالين والنورأدرينالين.
تُهيئ هذه الهرمونات القلب والرئتين والعضلات للاستجابة السريعة. أما ما زال تأثيرها على الجهاز الهضمي غير واضح تمامًا.
وجد الباحثون أنه خلال التوتر الاجتماعي، ترتفع مستويات هرمونات التوتر هذه ليس فقط في مجرى الدم، بل أيضاً في أنسجة الأمعاء نفسها.
وقال ألين: "وجدنا أنه استجابةً للتوتر الاجتماعي، تزداد مستويات هذه الهرمونات موضعياً في الأمعاء، ويمكن أن تؤثر إشارات التوتر هذه بشكل مباشر على بطانة الأمعاء مما يؤدي إلى زيادة إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلية، المعروفة أيضاً بالجذور الحرة".
تُعدّ أنواع الأكسجين التفاعلية جزيئات نشطة كيميائيًا، قادرة على إتلاف الخلايا إذا لم تخضع لتنظيم دقيق.
في هذه الحالة، حددت الدراسة مسارًا محددًا لإنتاج أنواع الأكسجين التفاعلية، يتضمن بروتينًا يُسمى DUOX2.
وقد أدى فرط إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلية إلى إضعاف الحاجز الظهاري المعوي - وهو الغشاء الواقي الذي يمنع تسرب البكتيريا والسموم إلى الأنسجة الداخلية - مما جعل الأمعاء أكثر التهابًا وهشاشة.
قال ألين: "بشكل عام، تشير بياناتنا إلى أن التوتر يزيد من التهاب الأمعاء ويجعلها أكثر هشاشة"، مضيفًا أن إشارات أنواع الأكسجين التفاعلية قد تكون "محفزًا مباشرًا لزيادة خطر تفاقم التهاب الأمعاء الناتج عن التوتر".
والأهم من ذلك، تشير الدراسة إلى أن التوتر لا يقتصر تأثيره على تفاقم الالتهاب الموجود فحسب، بل قد يهيئ الأمعاء أيضًا لنشاط المرض في المستقبل.
وقالت إليسا كايتانو سيلفا، المشاركة في تأليف الدراسة: "نعم، من الواضح أن الإجهاد يزيد من حدة الالتهاب المزمن، لكن المثير للاهتمام أننا وجدنا أيضًا أدلة على أن التغيرات التي يسببها الإجهاد في الأمعاء يمكن أن تسبق المرض النشط، مما يهيئ الأنسجة للاستجابة بقوة أكبر للمؤثرات اللاحقة".
قد تساعد هذه الرؤية في تفسير سبب معاناة المرضى أحيانًا من نوبات التهابية بعد أسابيع أو أشهر من التعرض لأحداث مُجهدة، حتى لو لم تكن الأعراض موجودة في البداية.
ويرى الباحثون أن الإجهاد قد يُعيد تشكيل بيولوجيا الخلايا الظهارية وإشارات الأكسدة والاختزال بشكل تدريجي، مما يزيد من قابلية الإصابة بالالتهاب قبل وقت طويل من ظهور أعراضه السريرية.
وقال كايتانو سيلفا: "يمكن للتوتر أن يهيئ الظروف لحدوث نوبة من خلال جعل الأمعاء أكثر عرضة للخطر، حتى قبل ظهور الأعراض".
بدلاً من استخدام عوامل الإجهاد الجسدي كالألم أو التقييد، ركز الباحثون على الإجهاد الاجتماعي، وهو نموذج تجريبي يحاكي عوامل الإجهاد النفسي ذات الصلة بالتجربة الإنسانية.
وقال ألين: "اخترنا الإجهاد الاجتماعي لأنه ينشط بقوة الإشارات الأدرينالية وهو أمر بالغ الأهمية لأنواع معينة من الإجهاد النفسي لدى الإنسان"، بما في ذلك حالات مثل اضطراب ما بعد الصدمة.
غالباً ما يُنظر إلى الإجهاد في المقام الأول على أنه مشكلة تتعلق بالكورتيزول، مرتبطة بمحور الغدة النخامية-الوطائية-الكظرية.
لكن في هذه الدراسة، لم يمنع تثبيط إشارات الكورتيزول تفاقم التهاب القولون الناجم عن الإجهاد. في المقابل، نجح تثبيط إشارات مستقبلات بيتا الأدرينالية في ذلك.
وقال ألين: "في هذا النموذج وفي هذا السياق، يبدو أن الإشارات الأدرينالية هي المحرك الرئيسي لتفاقم التهاب الأمعاء الناجم عن الإجهاد"، مع التأكيد على أن الكورتيزول ليس غير ذي صلة في جميع الحالات.
كان من أبرز النتائج أن تثبيط الإجهاد التأكسدي بحد ذاته قد يخفف من الآثار الضارة للإجهاد.
فقد قلل مركب يُسمى أبوكينين، والذي يحد من إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلية، بشكل ملحوظ من شدة المرض المرتبط بالإجهاد لدى الفئران.
وقال ألين: "لقد شعرنا بحماس شديد إزاء فعالية المركب الذي يستهدف أنواع الأكسجين التفاعلية في الحد من تفاقم داء الأمعاء الالتهابي الناتج عن الإجهاد.
يتطلع الباحثون إلى مستقبل أكثر تكاملاً لرعاية مرضى التهاب الأمعاء.
يقول ألين: "لا أعتقد أن التهاب الأمعاء سيُعالج بدواء واحد فقط، بل إن المستقبل يتجه نحو رعاية املة ومخصصة، تجمع بين العلاجات المناعية، واستراتيجيات تقوية وظيفة حاجز الأمعاء، والتدخلات التي تستهدف الميكروبيوم، والأساليب التي تقلل الالتهاب الناتج عن الإجهاد".

