الإثنين 20 يوليو 2026 الموافق 06 صفر 1448
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر
المشرف العام
محمود المملوك
مستشار التحرير
د. خالد منتصر

تأثير مرض باركنسون على كيفية إنتاج الجسم للطاقة

الإثنين 16/فبراير/2026 - 11:39 ص
باركنسون
باركنسون


يُعدّ فقدان الوزن من الأعراض غير الحركية المعروفة لمرض باركنسون، ولكنه غير مفهوم تمامًا، إذ  يفقد العديد من المرضى وزنهم تدريجيًا مع تقدّم المرض، وغالبًا ما يصاحب ذلك تفاقم الأعراض الحركية وتدهور جودة الحياة.

حتى الآن، لم يكن واضحًا ما إذا كان هذا الفقدان يعكس فقدانًا في الكتلة العضلية، أو سوء التغذية، أو تغيرات أيضية أعمق.

تُظهر الأبحاث الحديثة أن فقدان الوزن المرتبط بمرض باركنسون ينتج بشكل رئيسي عن فقدان انتقائي للدهون في الجسم، بينما تبقى الكتلة العضلية محفوظة إلى حد كبير، ويصاحبه تحوّل جوهري في كيفية إنتاج الجسم للطاقة.

فقدان الوزن لدى مرضى باركنسون

على الرغم من أن مرض باركنسون يُنظر إليه تقليديًا على أنه اضطراب عصبي، إلا أن الأدلة المتزايدة تشير إلى خلل أيضي واسع النطاق.

غالبًا ما يعاني المرضى من التعب وتدهور الحالة التغذوية، ومع ذلك، ركزت النصائح الغذائية في الغالب على زيادة السعرات الحرارية. تتحدى النتائج الجديدة هذا الرأي التقليدي، إذ تُظهر أن فقدان الوزن في مرض باركنسون يعكس فشلًا في مسارات إنتاج الطاقة الطبيعية في الجسم، وليس مجرد انخفاض في تناول الطعام.

نُشرت هذه النتائج في مجلة علم الأعصاب وجراحة الأعصاب والطب النفسي .

أُجريت الدراسة بقيادة البروفيسور هيروهيسا واتانابي من قسم طب الأعصاب في كلية الطب بجامعة فوجيتا الصحية في اليابان، بالتعاون مع الدكتور أتسوهيرو هيغاشي والدكتور ياسواكي ميزوتاني من جامعة فوجيتا الصحية.

وهدف الفريق إلى توضيح ما يفقده مرضى باركنسون تحديدًا عند فقدانهم للوزن، ولماذا يُجبر الجسم على تغيير استراتيجية استهلاك الطاقة لديه.

قام الباحثون بتسجيل 91 مريضًا مصابًا بمرض باركنسون و47 شخصًا سليمًا كمجموعة ضابطة، وأجروا تحليلًا مفصلًا لتكوين الجسم باستخدام تحليل المعاوقة البيولوجية الكهربائية.

وقد مكّنهم ذلك من قياس كتلة الدهون، وكتلة العضلات، ومكونات الجسم الأخرى بشكل منفصل. بالتوازي مع ذلك، أجروا تحليلًا شاملًا للميتابولوم في البلازما باستخدام مطياف الكتلة لتقييم عملية تحلل الجلوكوز، ودورة كريبس (دورة حمض الستريك)، واستقلاب الدهون، ووظيفة الميتوكوندريا، وإنتاج الأجسام الكيتونية.

أظهرت النتائج نمطًا واضحًا وجليًا. فمقارنةً بالأفراد الأصحاء، كان لدى مرضى باركنسون وزن جسم ومؤشر كتلة جسم أقل ، ويعود ذلك بشكل شبه كامل إلى انخفاض نسبة الدهون في الجسم. وقد حافظت كتلة العضلات على مستواها إلى حد كبير في المراحل المبكرة والمتوسطة من المرض، وكان انتشار ضمور العضلات مماثلاً لما يُلاحظ في عموم كبار السن.

يقول البروفيسور واتانابي: "لقد أوضحنا أن ما ينقص ليس العضلات، بل الدهون. وهذا يغير طريقة تفكيرنا في فقدان الوزن لدى مرضى باركنسون".

خلل خفي في مسارات الطاقة

كشفت الدراسة، بشكلٍ حاسم، أن فقدان الدهون هذا ناتج عن خللٍ أيضي أعمق. فقد انخفضت مستويات بعض المستقلبات الرئيسية، مثل حمض اللاكتيك وحمض السكسينيك، بشكلٍ ملحوظ، مما يشير إلى ضعف عملية تحلل الجلوكوز واختلال وظيفة دورة حمض الستريك - وهي "المحرك الرئيسي" في الجسم لإنتاج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات. ويعني هذا الخلل أن الجلوكوز لم يعد يُحوّل بكفاءة إلى طاقة قابلة للاستخدام.

ونتيجةً لذلك، يُفعّل الجسم آلية بقاء بديلة. وقد ارتفعت مؤشرات الأجسام الكيتونية ، بما في ذلك حمض الأسيتوأسيتيك، إلى جانب نواتج الأيض المرتبطة بهدم الأحماض الأمينية، مما يدل على تفعيل "آلية طوارئ" تعتمد على تكسير الدهون والبروتينات للحفاظ على إنتاج الطاقة.

بعبارة أخرى، عندما يفشل استقلاب الكربوهيدرات، يُجبر الجسم على حرق الدهون للبقاء على قيد الحياة.

من المهم الإشارة إلى أن هذا التحول الأيضي لم يكن متجانساً بين المرضى. فقد كانت مستويات الأجسام الكيتونية أعلى لدى المرضى الأقل وزناً والذين يعانون من مراحل متقدمة من المرض. وهذا يشير إلى أنه مع تقدم مرض باركنسون، يعتمد الجسم بشكل متزايد على تكسير الدهون لتعويض خلل استقلاب الكربوهيدرات.

يوضح الدكتور هيغاشي قائلاً: "قد يشير النحافة إلى أزمة طاقة غير مرئية تحدث داخل جسم المريض، ويضطر الجسم إلى حرق الدهون من أجل البقاء".

ما قد يعنيه هذا بالنسبة للعلاج

إلى جانب تفسير فقدان الوزن، تحمل هذه النتائج دلالات هامة على الرعاية المستقبلية. فمجرد زيادة السعرات الحرارية المتناولة قد لا يكون كافيًا إذا كان محرك الطاقة الرئيسي في الجسم، والمُعتمد على الجلوكوز، لا يعمل بشكل سليم.

تشير الدراسة إلى ضرورة إعادة النظر في الاستراتيجيات الغذائية والعلاجية لمرض باركنسون. وقد تُمثل التدخلات التي تُثبّت عملية تحلل الجلوكوز، أو تُحسّن وظيفة الميتوكوندريا، أو تمنع الاعتماد المفرط على الأجسام الكيتونية المُشتقة من الدهون، مناهج علاجية جديدة كليًا، تختلف عن العلاج التقليدي ببدائل الدوبامين.

تُبرز النتائج مجتمعةً مرض باركنسون كاضطراب يصيب الدماغ والجسم معًا، مدفوعًا بخلل أيضي خفي. ومن خلال إظهار أن فقدان الوزن يعكس استنزافًا انتقائيًا للدهون نتيجةً لضعف إنتاج الطاقة من الكربوهيدرات، وليس فقدانًا للعضلات، تُقدّم الدراسة إطارًا جديدًا لتحديد المرضى المعرضين لخطر كبير والتدخل المبكر.

إن إدراك "النحافة" كعلامة تحذير بيولوجية من شأنه أن يُتيح رعايةً استباقيةً وشخصيةً أكثر فعاليةً للوقاية من انهيار الطاقة المرتبط بالمرض.