كيف يمكن احتواء إنفلونزا الطيور عندما تبدأ الانتقال من شخص لآخر؟
في الوقت الراهن، يُعتقد أن قدرة فيروس إنفلونزا الطيور H5N1 على الانتقال بين البشر محدودة للغاية، إلا أن حالة حديثة في بريطانيا، ذات مصدر انتقال مجهول، أثارت فضول وقلق العلماء.
هل انتقلت هذه الحالة الوحيدة عن طريق حيوان أم إنسان؟ وإذا كان الانتقال بشريًا، فما هي الوسائل الكفيلة بالسيطرة على انتشاره بين البشر؟
قام مدير مختبر النمذجة القائمة على العوامل في مركز التميز في الذكاء الاصطناعي للنهوض بالصحة العامة في جامعة يورك، موغداس، ومجموعة من الباحثين باستخدام النمذجة لفهم أفضل تدابير مكافحة الانتشار في حال أصبح انتقال العدوى من إنسان إلى آخر ممكناً.
ويقول: "كانت الفكرة هي تقييم بعض التدخلات التي نقوم بتنفيذها عادةً في المرحلة المبكرة جدًا من تفشي المرض أو ظهور مرض جديد، والتي لا نعرف عنها إلا القليل جدًا".
في البحث الذي نُشر في مجلة Nature Health بعنوان "سيناريوهات الاحتواء لسلاسل انتقال إنفلونزا الطيور H5N1 من الدواجن إلى البشر بعد حدوث انتقال العدوى"، تم وضع نماذج لسيناريوهات مختلفة تتراوح من العزل إلى التطعيم قبل أو بعد حدوث انتقال العدوى.
وهي واحدة من الدراسات القليلة التي قامت بنمذجة ديناميكيات تفشي المرض بشكل صريح بعد انتقاله إلى البشر أو فعالية تدخلات الصحة العامة في المراحل المبكرة وغير المؤكدة للغاية من تطور الفيروس.
كان البروفيسور سيد مقدس من جامعة يورك وزملاؤه يجمعون بالفعل بيانات عن حالات الإصابة بفيروس H5N1 في الولايات المتحدة عندما ظهرت الحالة الكندية. ونظرًا لطبيعة انتقال العدوى غير المعروفة، قرر الفريق تحويل عملهم لدراسة ما يحدث في مقاطعة كولومبيا البريطانية.
يقول مقدس: "كانت الحالة في مقاطعة كولومبيا البريطانية ذات أهمية خاصة بالنسبة لنا لأنه لم يتم تحديد مصدر محدد للعدوى، بما في ذلك عدم وجود اتصال مباشر مع الحيوانات المصابة أو أماكن معروفة بارتفاع خطر الإصابة مثل مزارع الدواجن، ولهذا السبب، لفت انتباهنا احتمال وجود نوع من انتقال العدوى بين البشر".

انتقال فيروس H5N1
بحسب ما يعرفه خبراء الصحة والعلوم، فإن فيروس H5N1 لا ينتقل إلا بين الدواجن والأبقار الحلوب في المزارع، وكذلك من خلال الطيور البرية، ومن هذه الحيوانات إلى البشر، ولكن لم يتم إثبات انتقال العدوى المستمر من إنسان إلى آخر.
ومع ذلك، لم يكن لدى الشخص القادم من مقاطعة كولومبيا البريطانية أي تعرض محدد بوضوح، وعلى الرغم من أن العدوى البشرية من الحيوانات نادرة، إلا أن إنفلونزا الطيور H5N1 تعتبر شديدة الإمراضية وتشكل تهديدًا خطيرًا ومتطورًا محتملاً للصحة العامة العالمية.
يقول مقدس: "تم التعرف على هذا الفيروس لأول مرة عام 1997 في جنوب شرق آسيا. هذا النوع من الفيروسات الحيوانية المنشأ ينتقل عادةً من الطيور أو الحيوانات إلى البشر، وينتشر في الغالب بين الطيور البرية. ولا يوجد تأكيد حتى الآن على انتقال العدوى من إنسان إلى آخر في أميركا الشمالية".
لم يظهر الفيروس في أميركا الشمالية إلا منذ عام 2022، لكن عمليات الرصد والمراقبة بدأت عام 2003، وحتى وقت قريب، سُجّلت قرابة ألف حالة إصابة بشرية على مستوى العالم، وأقل من 500 حالة وفاة، مع العلم أن عدد الحالات قد يكون أعلى من ذلك، إذ لا يتم الإبلاغ عن جميع الحالات أو لا تظهر عليها الأعراض.
ولم يقتصر انتشار الفيروس على النطاق الجغرافي فحسب، بل امتدّ ليشمل أنواع الحيوانات التي يُمكنه إصابتها.
يقول مقدس: " يمثل تطور فيروسات الإنفلونزا، أيًا كان نوعها، تحديًا دائمًا للبشر. ففيروس الإنفلونزا من أسرع مسببات الأمراض تحوّرًا".
ويكمن القلق في تحوّره ليصبح قادرًا على الانتقال بين البشر.
ما مدى قدرته على البقاء؟ ما مدى سهولة انتقاله من الحيوانات إلى البشر، وإلى أي مدى قد تطول سلسلة انتقال العدوى المحتملة بين البشر؟ لا تزال هذه أسئلة مطروحة.
يقول مقدس: "كان تحديد حجم هذا الخطر أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لنا، لأنه قد يمنحنا أيضاً توجيهاً بشأن مدى خطورة المرض والاستراتيجيات الفعالة لاحتوائه، لا نملك سوى القليل من الإجراءات أو استراتيجية للتعامل معه في هذه المرحلة، نظراً لعدم ثبوت انتقاله بين البشر".
وبما أنه فيروس إنفلونزا الطيور، فمن المرجح أن يتطلب الأمر جرعتين من لقاح مشابه لما تم استخدامه خلال جائحة H1N1 لتقليل المخاطر والشدة التي غالباً ما تؤدي إلى زيادة الحمل الفيروسي.
استخدم الباحثون مدينة أبوتسفورد في مقاطعة كولومبيا البريطانية كموقع للدراسة، نظرًا لكونها منطقة ذات كثافة عالية في تربية الدواجن. وتبدأ الدراسة بعد حدوث انتقال العدوى.
يتساءل مقدس: "إذا أصيب إنسان بالعدوى، فكيف نمنع هذا الفرد من التسبب في تفشٍّ واسع النطاق؟ أو إذا كانت العدوى تنتقل بين البشر، فهل يمكننا قطع هذه السلاسل، وإلى أي مدى يمكننا قطعها؟ ما مدى فعالية عزل الحالات التي تظهر عليها الأعراض، أو تطعيم المزارعين، أو تطعيم المزارعين وأفراد أسرهم؟".
حتى مع اتخاذ تدابير التخفيف، قد يصاب أحد أفراد عائلة المزارع بالعدوى من المزارع نفسه، ثم ينقلها إلى شخص آخر في المجتمع.
قيّم الفريق نوعين مختلفين من استراتيجيات التطعيم. الأولى كانت تفاعلية، أي يتم تفعيل برنامج التطعيم بعد اكتشاف حالة إصابة في مكان ما، أما الاستراتيجية الثانية فكانت استباقية، حيث يتم تطعيم الأفراد، كالمزارعين مثلاً، قبل اكتشاف أي حالة إصابة.
ما وجدوه هو أن التطعيم التفاعلي له فوائد إضافية محدودة للغاية خارج نطاق العزل الذاتي، لكن التطعيم الوقائي يضيف فوائد إضافية كبيرة إلى جانب العزل الذاتي.
يقول مقدس إنه في حال تأكد أن الفيروس قادر على الانتقال من إنسان إلى آخر، فإنهم يريدون الحد من سلسلة انتقال العدوى وتقليل خطر تطور الفيروس ليصبح أكثر تكيفاً مع الظروف البشرية.
وأضاف أنه في الوقت الراهن، عند رصد أي حالة، يجب على الشخص عزل نفسه فوراً. أما بالنسبة للقاح المُرخّص، فينبغي توزيعه بسرعة على الفئات المستهدفة، لكن قد يستغرق الأمر عدة أسابيع حتى يصل إلى مستوى فعاليته على مستوى السكان.
لا يقتصر القلق على احتمال انتقال الفيروس من الحيوانات إلى البشر فحسب، بل يشمل أيضاً احتمال تحوّره خلال المراحل الأولى من انتقاله بين البشر، ما يجعله أكثر قدرة على إصابة البشر.
ويؤكد هذا على خطر تفشي المرض محلياً بتداعيات عالمية، كما يقول.
يقول مقدس: "يركز بحثي بالكامل على توليد الأدلة للحكومات ومقدمي الرعاية الصحية وصناع السياسات في منظمات الصحة العامة. نحن نعمل على توليد أدلة يمكن استخدامها على الأقل للحد من احتمالية تحول هذا الفيروس إلى جائحة أخرى".

